فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٩ - الفص الثاني و العشرون
القرآن للَّه بأنه غني عن العالمين، و أنه الغني و أنتم الفقراء، و أنه الغني الحميد و ما ماثل ذلك من الآيات.
(١٠) «فلا تجزع و لا تخف فإن اللَّه يحب الشجاعة ... إلى قوله: لم تزل الصورة موجودة في الحد».
(١٠) عرض هنا لمسألة فساد صور أعيان الممكنات و بقائها بحدودها و حقائقها. إذ كانت أعيان الموجودات صوراً و مجالي للذات الإلهية الواحدة، و الذات الإلهية هي الوجود الأزلي الأبدي الدائم، لزم أن الموت و الفناء و الفساد لا تعرض إلا للصور التي تتحول و تتغير في جوهر الوجود العام. أما الجوهر المقوم لهذه الصور فباق على الدوام ممتنع على الفساد، في أمان تام من كل أنواع التغير. و إذا كانت أعيان الممكنات ليست إلا صوراً معقولة متعينة في هذا الجوهر، كان لها- من هذه الناحية- مثل ما له من العزة و المنعة و الأمان. و هذا معنى قوله: «فهذا هو الأمان على الذوات و العزة و المنعة»
لكل موجود ممكن وجود في عالم الحس و وجود في العالم المعقول و وجود في حضرة الخيال (الخيال المنفصل الذي هو عالم المثال). فإذا فسدت صورته الحسية بقي في حده و حقيقته: أي بقي في العالم المعقول من حيث هو تعين معقول في الذات الإلهية، و حُفظ وجوده كذلك في عالم المثال. و هذا معنى قوله: «فإن الحدَّ يضبطها و الخيال لا يزايلها».
و إذا كان الأمر على ما وصف، وجب علينا ألَّا نجزع من الموت و لا نخاف، فإن الموت لن يصيب منا إلا صورنا المحسوسة: أجسامنا. فإن فنيت هذه الأجسام بقينا بحقائقنا في صورنا المعقولة و المثالية. بل يجب أن نتشجع و لو على قتل حية- كما يقول الحديث الشريف- و ليست الحية سوى نفوسنا أي صورنا الخاضعة للسكون و الفساد.