فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٢ - الفص الثالث عشر
(٦)
|
«و قد أدرج في الشفع |
الذي قيل هو الوتر» |
|
. (٦) الشفع هو العالم و الوتر هو الواحد الحق- الذات الإلهية أو المطلق. و المراد أن الذات الإلهية المطلقة قد أدرجت في العالم كما أدرج العدد «واحد» في العدد «اثنين». و هذا التمثيل الرياضي البديع يشرح لنا نظرية ابن عربي شرحاً دقيقاً و يميز بينها و بين النظريات الأخرى التي قد تختلط بها كنظرية الحلول أو نظرية الفيوضات التي قال بها أفلوطين. ليس العالم فيضاً عن «الواحد المطلق» كما قال أفلوطين، بل هو هو ذلك الواحد متجلياً في صورة الممكنات المتعينة: أي أنه «المطلق» الذي جرده العقل من إطلاقه عند ما تصوره في صورته المقيدة.
فكما أن «الواحد» العددي هو جوهر الاثنين و الثلاثة و سائر الأعداد، و كما أن الأعداد ليست في الحقيقة إلا صوراً معقولة للواحد المندرج فيها جميعاً، كذلك الحال في الواحد الحق و الكثرة الوجودية التي نسميها بالعالم. فالواحد العددي ليس له إلا دلالة واحدة و إشارة واحدة و هي إشارته إلى ذاته و دلالته على هذه الذاتية. أما الأعداد الأخرى فلكل منها دلالتان أو إشارتان: دلالته على نفسه كدلالة الاثنين على الاثنين و الثلاثة على الثلاثة و هكذا. و دلالته على «الواحد» المتكرر أو المندرج فيه. هكذا الوتر و الشفع: الحق و العالم- أو بعبارة أدق الذات الإلهية و العالم. فإن الذات الإلهية إذا نظر إليها معراة عن جميع العلاقات و النسب لم يكن لها دلالة و لا إشارة إلا على نفسها و إلى نفسها.
أما العالم الذي هو كثرة من صور الوجود فله إشارتان: إشارة إلى نفسه، و إشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره. و الحقيقة أن الوتر هو الشفع، و لكنهما متغايران في الذهن، كما أن الواحد العددي هو عين الأعداد كلها، و لكنه مغاير لها ذهناً
.