فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٩ - الفص السابع
و مشاهَد، و هذه النسبة تتنافى مع الوحدة. فما دام للأنا وجود فالاثنينية- لا الأحدية- موجودة. و لهذا كله ينكر ابن عربي إدراك الوحدة الوجودية في هذا العالم، و من الحمق في نظره أن نقول إن العبد في حال الفناء يصير «حقاً» لأنه لا صيرورة في مذهبه إذ الصيرورة تقتضي الاثنينية و الاثنينية تناقض الوحدة.
فمذهب وحدة الوجود الذي يقول به ابن عربي إذن دعوى تؤيدها فطرة العقل أكثر مما يؤيدها الذوق الصوفي. هو لا يقول إن الوجود وحدة لأن ذلك ينكشف له في حاله، فقد رأينا أنه يقرر استحالة تجلي الحق في الوحدة، و إنما يعتبر القول بالوحدة الوجودية أولية من أوليات العقل غنية عن الدليل. أما التجربة الصوفية فحال تتحقق فيها ذوقاً بوحدتك الذاتية مع الحق. فالقضية الأولى و الأساسية في مذهبه هي أن الوجود كله واحد و هو وجود الحق. أما إذا ذكرت أنك تشاهد الحق أو تتحد به أو تفنى عن نفسك فيه، أو ما شاكل ذلك من العبارات، فإنك واقع لا محالة في الاثنينية. و ما دام الناس يتكلمون عن الحق و يصفونه، و يتكلمون عن أنفسهم و عن إدراكهم للحق، فهم اثنينيون، و لكن الشعور باثنينية الذات المدركة و الموضوع المدرَك شي ء، و القول باثنينيتهما شي ء آخر. و ابن عربي إن سلّم بالأول لا يسلم بالثاني.
ثم هو يوضح استحالة تجلي الحق في الأحدية بما لا مزيد عليه في العبارة التالية فيقول: إن نظرت الحق به أي إن اعتبرت وجودك هو وجود الحق و أسقطت وجودك الخاص، كان الحق هو الناظر لنفسه و كان حكمك لا معنى له. و إن اعتبرت الوجودين- و هو معنى قوله و إن نظرته بك- زالت الأحدية. و كذلك إذا اعتبرت الوجودين- وجوده و وجودك- و قلت إنك نظرته بك، ثم به (في حال فنائك فيه) و هو معنى قوله: «و إن نظرته به و بك» زالت الأحدية أيضاً.
قارن ذلك بالتعليق الثاني عشر في الفص الأول، و التعليق العاشر في الفص السادس.
(٦) «فَفَضَل اسماعيل غيره من الأعيان ... إلى قوله جنتي التي بها سِتْري».