فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٩ - الفص الخامس عشر
أي و لقد تجلى هذا الأمر و ظهر على حقيقته لأولئك الذين جدوا في الطلب وسعوا وراء النور (اللَّه). و الإشارة هنا إلى موسى الذي قال لأهله «امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» (قرآن س ٢٠ آية ١٠- ١١).
فموسى جاء في طلب القبس فرآه ناراً و هو نور. و كذلك كل سالك إلى اللَّه يطلب هذا النور.
|
فرآه ناراً و هو نو |
ر في الملوك و في العسس |
|
أي أن موسى رأى الحق في صورة النار و هي في الحقيقة النور الذي ظهر في كل شي ء في الوجود: أعلاه- و هو المشار إليه بالملوك- و أسفله، و هو المشار إليه بالعسس. و استعمال كلمة العسس للمظاهر الوجودية الدنيا لا يخلو من مغزى، لأن العسس و هم حرّاس الليل، لا يظهرون في صورة كاملة واضحة لاشتمال الليل عليهم، و كذلك المظاهر الوجودية الدنيا لا يظهر فيها كمالات النور الإلهي واضحة لقصور استعدادها عن قبول ذلك النور. أما الملوك و هم أظهر الناس، فهم رمز للمجالي الإلهية العليا التي قبل استعدادها أكبر قسط من النور الإلهي.
و يمكن أن يكون معنى البيت- كما يفهمه القيصري- أن الحق (النور) ظهر للكاملين من العارفين- و هم الملوك- و لأولئك الذين هم أقل حظاً في الكمال منهم- و هم العسس-.
بعد ذلك أشار إلى إفلاس طرق الفلاسفة في الوصول إلى الحقيقة و ابتئائهم في قوله:
|
فإذا فهمت مقالتي |
فاعلم بأنك مبتئس |
|
ثم عرج على قصة موسى ثانية فقال لو أنه طلب الحق في صورة أخرى غير صورة القبس لرآه في الصورة التي طلبه فيها، لأن الحق يظهر في كل صورة من صور الموجودات و لا يخيب أمل عبده فيه. فمن طلب الحق في شي ء وجده: