فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٠ - الفص الخامس عشر
و هذا بالضبط الحق المعتقد فيه لا الحق المطلق كما أشرنا إلى ذلك من قبل. فمن الجهل إذن في نظر ابن عربي أن تطلب الحق في صورة معينة و تقول هو ذي دون غيرها من الصور، فان ذلك عين الكفر الذي وقع فيه المسيحيون. بل اطلبه في أية صورة من الصور و لا تحصره فيها فإن الحقيقة تمنع من الحصر و التقييد.
اجعل قلبك هيولى المعتقدات كلها و شاهد الحق في كل شي ء. هذا هو الدين العام الذي يدعو إليه ابن عربي و قد سبق شرحه فيما مضى (راجع مثلا الفص ١٢ التعليق ٢).
أما الإشارة إلى طلب موسى ففي قوله:
|
لو كان يطلب غير ذا |
لرآه فيه و ما نكس |
|
(٢٢) «مقام حتى نعلم».
(٢٢) هذا هو مقام الفرق أي مقام التمييز بين الواحد و الكثرة. و قد قام الحق بالنسبة لعيسى عليه السلام في هذا المقام عند ما سأله عن صحة ما نسب إليه من الأقوال مما ورد ذكره في القرآن في سورة المائدة: (آية ١١٦- ١١٧) و ترجع تسمية هذا المقام «بمقام حتى نعلم» إلى قوله تعالى: «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (قرآن س ٤٧ آية ٣١). فهنا وضع الحق نفسه في مقام من يأخذ علمه بالناس من الناس أنفسهم مع أن علمه قديم سابق عليهم. هذا إذا نظرنا إلى اثنينية العالم و المعلوم- الحق و الخلق- و لكن الحقيقة تأبى الاثنينية إذ العالم عين المعلوم. و كذلك الحال في عيسى الذي أقامه الحق مقام المسئول و طلب منه معرفة حقيقة ما قاله الناس في ألوهيته. هذا مقام «حَتَّى نَعْلَمَ» أيضاً، و هو مقام اثنينية اعتبارية و وحدة حقيقية.
و غني عن البيان أن ما أورده الحق سبحانه في القرآن من حديث بينه و بين عيسى إنما قصد به أمراً آخر غير ما يقصده ابن عربي: و يستوي عنده أن هذا الحديث قد وقع بالفعل أو لم يقع، و لكنه يأخذه على أنه مثال يوضح به وحدة السائل و المسئول