فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٢ - الفص الخامس عشر
كل من يؤمر بأمر إلهي يتصوَّر منه الامتثال لهذا الأمر، و إلا كان أمر من لا يتصور منه الامتثال ضرباً من العبث. و لكن العباد منهم من يمتثل و منهم من لا يمتثل حسبما قدر في طبيعتهم من الأزل. فإن بعض أعيان الموجودات طبعت أزلًا على الطاعة في حين طبع غيرها على المعصية. و لكن هذا لا يمنع- في نظر ابن عربي- من توجيه الأوامر الإلهية إلى الجميع على السواء، لأن الجميع يتصور في حقهم امتثال ما أمروا به.
و مهما تكن استجابة العبد لأوامر اللَّه التكليفية، فإنها امتثال تام لأوامره التكوينية: أي أن العبد الذي يعصي الأمر التكليفي إنما يطيع بفعله هذا الأمر الإلهي التكويني. (قارن الفص الثامن التعليق ١، ٢، ٦).
(٢٥) «فكان الغيب ستراً لهم عما يراد بالمشهود الحاضر».
(٢٥) المراد بالغيب ضمير الغائب «هم» في مثل قوله تعالى: «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»^.
و المشهود الحاضر هو الحق الظاهر المتجلي في صور أعيان الممكنات. هذا إذا نظرنا إلى الحقيقة الوجودية من حيث إنها «حق». أما إذا نظرنا إليها من حيث إنها خلق و أثبتنا للخلق وجوداً، فقد سترنا الحق وراء صورها. و هذا معنى قوله أن الغيب (و المراد به الخلق المشار إليه بالضمير هم) ستر للمشهود الحاضر.
أما أن الحق هو المشهود الحاضر، فذلك لأن أعيان الممكنات في ذاتها عدم محض و لم تبرح كذلك لأنها صور معقولة في عالم الغيب العلمي: و هذا هو الوجه الذي يرتضيه ابن عربي الذي يُغَلب جانب الحق على جانب الخلق دائماً في وحدته الوجودية.
و قد اختار قوله تعالى: «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»^ لا ليوضح فكرته بضمير الغائب الوارد فيها فحسب، بل ليفهم كذلك كلمة «كفروا» فهماً خاصاً يدعم به هذه الفكرة. فكفروا هنا ليست بمعنى لم يؤمنوا، بل بمعنى ستروا أو أخفوا، و هذا