فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩ - الفص الثاني
كل شي ء مقدراً أزلًا في عينه الثابتة فإذا ظهر في الوجود كان ظهوره بحسب ما تقتضيه تلك العين؟ أ لا تتنافى هذه الجبرية العنيفة مع وجود إله مختار يفعل في الوجود ما يشاء و كيف يشاء؟
هذه أسئلة يحاول ابن عربي أن يجيب عنها في الفقرة التالية عند ما يشرح معنى الإمكان و الممكن. يقول لما ثبت عند بعض النظار أن اللَّه فعال لما يشاء، جوزوا عليه ما يناقض الحكمة و ما عليه الأمر في نفسه. فالممكن عندهم ما كان وجوده من اللَّه (واجب الوجود بالذات) و في إمكان اللَّه أن يوجده على أي نحو أراد، حتى و لو كان ذلك الوجود منافياً للحكمة و لطبيعة الوجود إطلاقاً. و لكن هذا التفسير دفع ببعض المتكلمين الآخرين إلى إنكار وجود الممكنات، و قالوا لا وجود إلا لواجب الوجود: و واجب الوجود إما واجب الوجود بذاته أو واجب الوجود بغيره. أما الممكن إطلاقاً فلا يمكن تحقق وجوده. أما ابن عربي فقد توسط بين الأمرين و قسم الوجود إلى واجب و ممكن ثم قال إن الممكن هو واجب الوجود بالغير. يقول «و المحقق يثبت الإمكان و يعرف حضرته، و الممكن ما هو الممكن، و من أين هو ممكن، و هو بعينه واجب الوجود بالغير، و من أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب».
و الحقيقة أن «الغَيريَّة» هنا غيرية اعتبارية، و أن واجب الوجود بالغير ليس إلا مظهراً لواجب الوجود بالذات، و أن كل ما يجري على أي شي ء من أحكام الوجود ضروري، و يستوي أن تنسب هذه الضرورة إلى العين أو إلى الذات المتجلية في صورة العين لأن الكل واحد. و لم يجب ابن عربي على الإشكال الذي أثاره نظار المتكلمين، و إنما شرح ناحية من نواحي مذهبه في وحدة الوجود.
(١٢) «و على قدم شيث يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني».
(١٢) ذهب شراح الفصوص في تفسير هذا الفص الرمزي مذاهب شتى و تضاربت فيه آراؤهم. فمنهم من اعتبر «آخر مولود يولد في النوع الانساني» ولداً حقيقيًّا يحمل جميع أسرار شيث على نحو ما حمل شيث أسرار آدم. و لكنهم اختلفوا بعد ذلك:
فذهب بعضهم إلى أن المراد به ختم الولاية العامة الذي قالوا إنه عيسى عليه السلام.