فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٢ - الفص الثالث
هذا هو الاصطلاح العام، أما اصطلاح ابن عربي الخاص فالرب هو الحق في صفة من صفاته. و لهذا يطلق على الأسماء الإلهية اسم الأرباب. أما اللَّه فاسم يطلق على الذات العلية متصفة بجميع الصفات. و على هذا التعريف يفرق بين الربوبية و الألوهية فيقول إن الألوهية دائمة التلوين- أي دائمة التغير لأن اللَّه دائم التجلي في الصور. أما الربوبية التي لكل اسم من الأسماء الإلهية فثابتة له لا تتغير. و لهذا وجب علينا في السؤال أن ندعو اللَّه باسم خاص يتصل بقضاء حاجاتنا. فيجب على المريض مثلًا أن يدعوه باسم الشافي، و على المذنب أن يدعوه باسم العفوّ أو الغفور، و على المحتاج أن يدعوه باسم المعطي و هكذا. «فثبوت التلوين» إذن من صفات اللَّه الرب، لا من صفات اللَّه إطلاقاً. و المراد بالتلوين هنا الحال.
و هذا الجُزء من الفص رمزي إلى أقصى حد. و قد أشار المؤلف إلى بعض معاني ألفاظه، و بيّن أنه يستعملها في غير ما وضعت له عادة، و لكن المعنى الإجمالي لا يزال غامضاً. لذلك أردنا تلخيصه ليعطي الصورة المرادة منه.
كان قوم نوح عبدة أوثان، فدعاهم إلى عبادة إله واحد منزه عن صفات المحدثات. و لكنهم أعرضوا عن دعوته لأنهم كانوا محجوبين عن الحقيقة المطلقة- اللَّه- بمعبوداتهم التي لم تكن في واقع الأمر سوى مجالي أسماء اللَّه. فدعا عليهم نوح بالهلاك و الدمار بقوله: «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً». و معنى هذا في أسلوب المؤلف الرمزي أنه دعا اللَّه أن يحرر هؤلاء القوم من قيود الوثنية التي تحصر «الحق» في هذا المجلى أو ذلك «و أن يمن عليهم بشهوده في كل مجلى معبود أو غير معبود. فكأنه دعا عليهم بالفناء الصوفي- لا بالدمار و الهلاك.
دعا عليهم بفناء الحجب لتنكشف لهم الحقيقة في إطلاقها. و قال: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي إن تتركهم و شأنهم أوقعوا الحيرة في قلوب الناس- و هي الحيرة المحمدية التي أشرنا إليها- بأن يدلوهم على ما في نشأتهم من عبودية و ربوبية، و ما فيها من خَلْقية و حقية. و هذه هي الحيرة التي