فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٠ - الفص الثاني عشر
الحديث القدسي الذي يقول اللَّه تعالى فيه: «ما وسعني أرضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن». و لكن قلب أي عبد مؤمن؟ يقول ابن عربي هو قلب العارف الذي يدور مع الحق أينما دار، و يشاهده في كل تجلّ من تجلياته.
هو القلب الذي لا يشاهد سوى الحق.
و لكن القلب محجوب عادة عن الحق مشغول عنه بما سواه، تتنازعه عوامل العقل و الشهوة. و لذا كان مجال نضال دائم بين جنود الحق و جنود الشيطان، يطلب كلٌ الظفر به لنفسه. و تتلخص حياة السالك في الطريق الصوفي في تدبير الوسائل التي يقهر بها شيطان النفس و يظفر بالحق.
و للقلب بابان تدخل المعرفة الإلهية من أحدهما، و تدخل الأوهام إليه من الآخر. و هذا عالَمٌ و ذلك عالم آخر كما يقول جلال الدين الرومي. فغاية الصوفي تخليص القلب من أثر الأوهام بطرد كل خاطر يتصل بما سوى اللَّه.
و قد أنكر الصوفية على العقل القدرة على فهم الألوهية و أسرارها قائلين إن العقل مقيد بمنطقهِ في دائرة الأمور المحدودة المتناهية. أما الحق فلا حد له و لا نهاية. و من ناحية أخرى يرى العقل الأمور على أكثر من وجه، و يرى الشي ء الواحد و نقيضه، و يدافع عن كل منهما بحجج متكافئة في القوة و الإقناع. ثم هو فوق ذلك يسدل على الحقائق ستاراً كثيفاً من الألفاظ، بل لقد يعني بالألفاظ التي هي رموز الحقائق و يغفل عن الحقائق نفسها. و قد أفنى الفلاسفة أعمارهم في الاشتغال بألفاظ جوفاء لا طائل تحتها. أما الصوفية فينظرون إلى الحقائق ذاتها ثم يمسكون عن الحديث عنها- أو لا يجدون من الألفاظ ما يستطيعون به التعبير عما يشاهدونه.
(٢) اعلم إن القلب- أعني قلب العارف- هو من رحمة اللَّه، و هو أوسع منها، فإنه وسع الحق جلّ جلاله».
(٢) موضوع الكلام هنا هو قلب العارف لا القلب الإنساني إطلاقاً، و العارف