فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٩ - الفص الخامس و العشرون
و لم يأت موسى ببيان لحقيقة الحق على نحو ما يتوقع أهل النظر و المنطق، و إنما أبان هذه الحقيقة على نحو ما يفهمه أهل الحق. و السؤال عن الماهية سؤال عن الحقيقة، و ليس من اللازم أن من لا تخضع ماهيته لتعريف أهل النظر يكون لا حقيقة له.
(١٨) «فقال رب المشرق و المغرب، فجاء بما يظهر و يستر، و هو الظاهر و الباطن. و ما بينهما: و هو قوله «بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ». «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ».
(١٨) مزج آيتين مختلفتين و فسر إحداهما بالأخرى تفسيراً لا يبرره إلا حرصه على استخراج فكرة وحدة الوجود من القرآن مهما يكن الثمن. و الآية الأولى هي الواردة في رد موسى على سؤال فرعون عن الماهية الإلهية و نصها «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» و الثانية هي قوله تعالى «وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ». و المراد بالمشرق في نظر ابن عربي كل ما ظهر من الوجود، و بالمغرب كل ما خفي، و بما بينهما، ما هو بين الخفاء و الظهور. فكما قال في الآية السابقة إن اللَّه هو «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا» بمعنى أنه الظاهر في صور جميع مراتب الوجود عاليها و سافلها، قال هنا إنه «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما»: أي الظاهر في صور الوجود ظاهرها و خفيها. و قد قال في الأولى «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ» أي أصحاب علم يقيني، و هو الذي يسميه علم الكشف و الوجود. و قال في الثانية «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» أي أصحاب عقل و تقييد (لأنه يفهم العقل من عَقَلَ بمعنى قيد).
فكأن الآية الأولى تعطي إطلاق الحق، و هو ما يقول به أهل الكشف. و الثانية تعطي تقييده، و هو ما يقول به أهل العقل. و لكني لا أرى فرقاً بين الآيتين من حيث دلالتهما على الإطلاق و التقييد، فكلتاهما تصلح لما تصلح له الأخرى. أما الفرق الحقيقي فبين أن يقال إن ذات الحق منزهة عن كل تعريف و كل تحديد، و في هذا معنى الإطلاق، و أن يقال إنه رب السموات و الأرض، أو رب المشرق و المغرب بمعنى أنه الظاهر في السموات و الأرض و في المشرق و المغرب، و في هذا معنى التحديد.