فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١١ - الفص الخامس و العشرون
فسَّر قول موسى لفرعون إن اللَّه هو «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا» تفسيراً يتفق مع فكرته في وحدة الوجود كما أسلفنا، لأنه أولها بمعنى أن اللَّه هو الظاهر في صورة ما في السموات و الأرض و ما بينهما: أي بصورة العالم. و مهد بذلك لتفسير دعوى فرعون الألوهية، و لكل ما جرى بينهما بعد ذلك من حديث.
قال فرعون لموسى «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ»، فيسلم ابن عربي بادعاء فرعون الألوهية. و كيف لا يكون فرعون إلهاً و هو جزء من العالم الذي قال إنه صورة اللَّه؟ إن فرعون و غيره من المحدثات صور الحق في الوجود الظاهري. و لصورة فرعون مرتبة أعلى من مرتبة صورة موسى في ذلك المقام الخاص الذي كانا يتحدثان فيه، لأنه أعطِيَ الحكم و المُلك و التصرف فيمن دونه من الناس الذين قلَّت مراتبهم عن مرتبته. فالعين واحدة في الجميع و لكنها متكثرة بالمراتب. و مرتبة فرعون أعلى من غيرها، و لذلك قال «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ».
قال فرعون لموسى «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ».
و ظاهر هذه الآية يعطي معنى الوعيد، و لكن ابن عربي يقلب معنى الآية رأساً على عقب فيقول إن «السين» في مسجونين من حروف الزوائد، و معنى «لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» لأسترنك: لأن لسان الباطن في نظره يقتضي أن يُقرأ القرآن هكذا. فبعد حذف السين لا يبقى إلا مادة الجيم و النون التي معناها الستر و الإخفاء و بهذا انقلب وعيد فرعون لموسى وعداً، و تهديده له بالسجن حماية و وقاية، جزاءاً لموسى على ما مهد به لفرعون من ادعاء الألوهية.
و يجدر بي أن أقتبس هنا كلام القاشاني في شرح هذه الفقرة لأهميته. قال:
«المراد بهذا اللسان لسان الإشارة، فإن فرعون كان غالياً من غلاة الموحدة، عالياً من المسرفين في دعواه، من جملة من قال عليه السلام عنه «شر الناس من قامت القيامة عليه و هو حي»: أي وقف على سر التوحيد و القيامة الكبرى