فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٣ - الفص الخامس و العشرون
لأنها انقلبت حية، و الحية من الحياة، و الحياة هنا حياة العلم و العرفان. و كما أن اللَّه تعالى يقول: «يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ»، أي يورد الحكم بالحسن و السوء على الفعل الواحد- لأن الفعل في ذاته لا يوصف بالحسن و لا بالقبح- و إنما تختلف أحكامنا عليه- كذلك قلْبُ معصية فرعون طاعة. أي أورد اسم المعصية على فرعون من وجه، و اسم الطاعة عليه من وجه آخر. و هو هو لم يتغير. و كذلك قلب عصا موسى حية في اللسان الرمزي، أي سماها عصا في صورة، و حيَّةً في صورة أخرى. و جوهرها واحد لم يتغير إلا في الحكم.
و خلاصة القول أن فرعون لم يعص موسى إلا في الصورة، بل لم يكن عصيانه إلا عين الطاعة: لأن العصيان و الطاعة مظهران لحقيقة واحدة، كما أن عصا موسى و حيته لم يكونا إلا مظهرين و صورتين لجوهر واحد. فلم يختلف عصيان فرعون عن الطاعة الحقيقية إلا بمقدار ما اختلفت عصا موسى عن الحية التي تحولت تلك العصا إليها. و الحقيقة أنه ليس هناك تحول و لا انقلاب و إنما هو تغير في الصور.
و الظاهر أن القاشاني (ص ٤١٩) يفهم كلمة «الحكم» في النص بمعنى الأمر و النهي. فكأنه يريد أن يقول إن اللَّه أمر عصا موسى أن تكون عصاً فكانت، ثم أمرها أن تنقلب حية فانقلبت حية، و هي جوهر واحد في كلتا الحالتين لم يتغير.
أما الذي شاهده قوم فرعون في الخارج فهو حكم اللَّه. و بهذا فهم قول المؤلف «فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد». و لكني فهمت «الحكم» في هذه الفقرة بمعنى الوصف الذي نورده على الأشياء. فنحن الذين سمينا عصاً موسى عصا في صورتها الأولى، و سميناها حية في صورتها الثانية، و هي جوهر واحد لم يتغير. و كذلك نسمي الكثرة الوجودية في الكائنات كلًّا منها باسمه الخاص مع أنها في الحقيقة جوهر واحد.
(٢١) «فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها ...
إلى قوله سوى أعيان الموجودات».