فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٢ - الفص الخامس و العشرون
قبل فناء إنِّيَّته و موته الحقيقي في اللَّه. و هو يدعي الإلهية بتعينه، و يدعو الخلق إلى نفسه لتوحيده العلمي لا الشهودي الذوقي. و هو يعلم لسان الإشارة. فلما علم أن موسى موحِّد ناطق بالحق افترص فرصة دعوى الألوهية لأن غير الحق ممتنع الوجود ... فرتبة الحق الظاهر في صورة فرعون له التحكم في ذلك المجلس [مجلس فرعون و موسى ] على الرتبة الموسوية. فأيَّده جواب موسى بلسان التوحيد و قواه على دعواه مع إظهار السلطنة و القدرة بحسب الرتبة فقال له ما قال» (شرح القاشاني على الفصوص ص ٤١٧).
قال اللَّه تعالى في حق قوم فرعون «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» (الزخرف آية ٥٤) يقول ابن عربي «فاسقين» أي خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر في العقل.
و معنى هذا أن فسق قوم فرعون إنما كان في خروجهم عما يحكم به العقل الصحيح.
و العقل الصحيح ينكر مقالة فرعون في ادعائه الألوهية، إذ العقل يتبع لسان الظاهر و لا يعرف غيره. و دعوى فرعون الألوهية غير مقبولة في نظر العقل و إن كانت مقبولة في نظر الكشف و الذوق الصوفي، فإن للعقل حداً يقف عنده يتجاوزه أصحاب الكشف و اليقين. و هذا التجاوز هو الخروج الذي فسر به الفسوق. فمن قوم فرعون من كان من الموقنين أهل الكشف و الذوق- و هم الفاسقون بالمعنى الذي شرحناه- و منهم العاقلون أهل العقل و النظر: و لهذا جاء موسى ... في جوابه عن سؤال فرعون بما يقبله الموقن و العاقل.
(٢٠) «فَأَلْقى عَصاهُ و هي صورة ٦٣- ٦٤ ما عصى به فرعون موسى ... إلى قوله فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد».
(٢٠) ليست عصا موسى إلا صورة و رمزاً لعصيان فرعون و امتناعه عن أن يجيب دعوة موسى. أما انقلابها «حية» فهو أيضاً رمز لانقلاب عصيان فرعون طاعة فكأن نفس فرعون العاصية الأمارة بالسوء قد انقلبت إلى نفس طيعة مطمئنة،