فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٥ - الفص السادس عشر
العالم اسم لبقاء صورها عند ما تبقى: أي أن الدنيا و الآخرة مجرد اسمين للوجهين اللذين ينطوي عليهما الخلق الجديد.
(١٣) «و لا علم لأحد بهذا القدر، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نَفَس لا يكون ثم يكون».
(١٣) أي أن الإنسان لا علم له بهذا التغير الدائم الجاري في الكون بأسره، و لا يحس من نفسه أنه في كل نَفَسٍ و في كل آن ينعدم ثم يخلق من جديد. و لكن انعدام أي شي ء ثم وجوده يقعان في آن واحد من غير أن تنقضي بينهما فترة من الزمان. و لا يقال إن «ثُمَّ» تقتضي التراخي أو المهلة فإنها ليست كذلك دائماً، فقد تشير إلى ترتب عِلِّيٍ بين علة و معلول يتلاقيان في الزمان الواحد، مثل هز الرديني و اضطرابه في قول أبي داود جارية (أو جويرة) بن الحجاج.
|
كهز الرديني تحت العجاج |
جرى في الأنابيب ثم اضطرب |
|
فإن هز الرديني علة في حدوث الاضطراب به و هما حاصلان في الرمح في آن واحد. و كذلك الحال في «ثُمَّ» إذا استعملت في تفسير معنى الخلق الجديد.
(١٤) «و أما علمه فقوله تعالى «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ»- مع نقيض الحكم».
(١٤) اختص اللَّه سليمان في جملة ما اختصه به من النعم بالعلم و الحكم، و لكنه علم من نوع خاص يختلف عن علم أبيه داود الذي ذكره اللَّه أيضاً على سبيل المنة في قوله «وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً»[١]. و العبارة تشير هنا إلى نوعي العلم اللذان وهبهما اللَّه داود و سليمان، و نوعي الحكم اللذان صدرا عنهما في قصة الحرث و الغنم المشهورة. فإنه لما نفشت غنم بعض القوم في حرث بعضهم شكا إلى داود و كان بمحضره ابنه سليمان. فقضى داود لصاحب الحرث أن يأخذ الغنم عوضاً عن التلف الذي أحدثته بحرثه. و لكن ابنه سليمان الذي لم تتجاوز سنه الحادية عشرة
[١] سورة الأنبياء آية ٧٩.