فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٤ - الفص السادس عشر
ففي هذا البحر اللانهائي من الوجود تتقلَّب الموجودات في كل آن في صور جديدة أو تخلق خلقاً جديداً على حد قول ابن عربي، و إن كان هذا التغير، أو هذا الخلق، غير مدرك بالحسّ. و هذا في نظره سرّ ما يشعر به الناس من لبس في شأنه. قال تعالى: «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» (سورة ق آية ١٥) و غني عن البيان أن الآية لا صلة لها بشي ء مما يقوله.
و عند ما يتحدث عن الفناء الصوفي يضيف إلى معناه العادي معنى فلسفياً متصلًا شديد الاتصال بهذا الخلق الجديد. فالفناء ليس معناه محو صفات الصوفي أو ذاته، أو تحققه في مقام خاص بوحدته الذاتية مع الحق فحسب، بل هو رمز على محو صور المحدثات محواً مستمراً في كل آن من الآنات، و بقائها في الجوهر الواحد المطلق- الحق. فالفناء ليس معنى يتعارض مع فعل الخلق، بل هو أحد وجهي هذا الفعل، و الوجه الآخر هو البقاء. و الخلق سلسلة من التجليات الإلهية: كل حلقة منها ابتداء ظهور صورة من صور الوجود و اختفاء صورة أخرى. أي أن اختفاء صور الموجودات في الواحد الحق- و هو فناؤها- هو في الوقت ذاته عين ظهورها في صور تجليات إلهية أخرى- و هو البقاء. و هذا معنى قوله في الفص الثاني عشر «و يرون أيضاً شهوداً أن كل تجلٍ يعطي خلقاً جديداً و يذهب بخلق: فذهابه هو الفناء عند التجلي و البقاء لما يعطيه التجلي الآخر».
ليس بغريب إذن ألا يكون للدار الآخرة بمعناها الديني موضع من فلسفة ابن عربي. فإن العالم الذي هو تجلي الحق الدائم أزلي كما هو أبدي. يصرح عن هذا المعنى كل الصراحة في فتوحاته حيث يقول «النهاية في العالم غير حاصلة، و الغاية من العالم غير حاصلة، فلا تزال الآخرة دائمة التكوين عن العالم»[١] و ليس دوام تكون الآخرة عن العالم إلا أنها اسم لفناء صور الموجودات عند ما تفنى، كما أن
[١] فتوحات ج ١ ص ٣٣٨ س ١٥ من أعلى.