فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٧ - الفص الرابع
الكريم: و العلي من أسماء اللَّه الحسنى. و لكن ما ذا عسى أن يكون معنى «العلي» و معنى «العلو» في مذهب يقول بوحدة الوجود؟ نظر ابن عربي إلى الخلق فوجد أن اتصاف أي مخلوق بالعلو إما من أجل المكان أو من أجل المكانة (أي المنزلة).
و أن علو المخلوق لا يكون له لذاته، بل يوصف به لعلو مكانه أو مكانته، بحيث لو زالت صفة العلو عنهما زالت عنه. بل إن الوصف بالعلو قد يأتي نصاً في المكان أو المكانة. يقول اللَّه تعالى «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا». و نقول نحن في فلان إنه في مكانة عالية من قومه. فالإنسان، و هو أعلى الموجودات، ينسب له العلو بالتبعية إما إلى المكان و إما إلى المكانة.
و قد وصف اللَّه تعالى نفسه بالعلو فقال: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، و قال «وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»^. و لكن ابن عربي يتساءل: «على مَنْ و ما ثم إلا هو؟» و «عن ما ذا و ما هو إلا هو»؟ أي على أي شي ء من الموجودات عَلَا الحق و ليس في الوجود إلا هو؟ و عن أي شي ء استفاد الحق العلو و لا شي ء إلا و هو هو؟ إنه عين الموجودات من حيث وجودها، فلا يمكن إذن أن نفاضل بينه و بينها، لأن العلو الذي يسمح بالمفاضلة هو العلو بالاضافة، و علو الحق علو بذاته لا بالاضافة.
و لكن للأمر ناحية أخرى فإن هذه الكثرة الوجودية التي نسميها العالم و ننسب إليها العلو الإضافي ليس لها في ذاتها وجود حقيقي، و إنما يرجع وجودها إلى الذات الواحدة أو العين الواحدة التي لها العلو بالذات. إن الكثرة وهمية لا حقيقية، و كذلك ما نصفها به من العلو. و لذلك ينفي ابن عربي عن العالم علو الإضافة من هذه الناحية.
و خلاصة القول أننا إذا راعينا الوحدة في ذاتها، نسبنا إليها العلو المطلق الخالي من كل مفاضلة و من كل إضافة، و نفينا العلو الإضافي بين الموجودات. و إذا راعينا الوحدة في الكثرة أثبتنا العلو الإضافي، و لكن نسبناه إلى الوحدة من حيث تعدد وجودها.
و إذا راعينا الكثرة وحدها نسبنا إليها العلو الإضافي. أما العلو الذي يقتضي المفاضلة