فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٦ - الفص الخامس
ليس بغريب أن تستعمل في لغة وحدة الوجود. و المراد بالحمد و العبادة أن كلًا من الحق و الخلق في خدمة الآخر و طاعته و الخدمة و الطاعة أخصُّ صفات العبادة. كلٌ من الحق و الخلق يخدم الآخر و يطيعه: فالحق يفيض الوجود على الخلق، و الخلق يُظهِرُ للعيان كمالات الحق: و الخلق يطيع الحق فيما يأمره به، و الحق يطيع الخلق بمنحه الوجود الخاص الذي تطلبه عين الموجود. و قوله:
«ففي حالٍ أُقِرُّ به» إلخ .. أي في حال الجمع التي يشعر فيها الصوفي بوحدة الحق و الخلق و يفنى عن نفسه و عن كل ما سوى اللَّه، يقرّ بالحق على أنه وحده هو الموجود. فإذا ما صار إلى حال الصحو و هي حال الفرق و أدرك أعيان الموجودات أنكر أنها هي الحق: و هي في واقع الأمر ليست الحق و إنما هي مجالٍ و مظاهر له. هذا إذا فهمنا «الحال» بمعنى حال الفناء أو حال الجمع:
و بذلك تكون الوحدة المشار إليها «وحدة الشهود» لا وحدة الوجود. و لكن يظهر أن المراد بالحال مطلق حال لا حال معينة، و بذلك يصبح معنى البيت:
«ففي حال من الأحوال أقرّ بوجود الحق في كل شي ء و لكني أعوذ فأنكر أنه هو أعيان الموجودات الخارجية». و هذا هو الأقرب إلى المراد و الأدنى إلى أسلوب المؤلف الذي يحلو له تكرار الكلمات المتناقضة التي يوردها على الحقيقة الوجودية الواحدة باعتبارين مختلفين: من أنها حق و خلق و واحد و كثرة:
معروفة مجهولة، غنية مفتقرة، حادثة قديمة إلخ ..
«فيعرفني و أنكره، و أعرفه فأشهده» أي فيعرفني الحق في جميع أحوالي و مقاماتي لأنه ذاتي، و أنكر وجوده في أعيان الموجودات الحادثة على أنها هي هو، و لكني أعرفه معرفة ذوقية كشفية و أعلم أنه عين كل شي ء فأشهده في كل شي ء جمعاً و تفصيلًا.
«لذاك الحق أوجدني، فأعلمه فأوجده»: أي لهذه الغاية- و هي أن اللَّه يُعْرَف و تعرف كمالاته الصفاتية و الأسمائية أوجد اللَّه العالم بما فيه الإنسان:
و بهذا ورد الخبر القائل: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعْرَف فخلقت الخلق