فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٧ - الفص الخامس
فبِهِ عرفوني» و هو الحديث الذي يشير إليه البيت السادس من هذه الأبيات.
أما قوله فأعلمه فأوجده فالإشارة ليست إلى الذات الإلهية التي هي فوق كل علم و كل إدراك، بل إلى إله المعتقدات و هو الحق مصوَّراً في كل نفس بصورة معتقد هذه النفس و بحسب علم كل معتقد. فالإنسان لا يخلق اللَّه و إنما يخلق إله معتقده: و لهذا قال «فأعلمه فأوجده» أي فأعلم الحق بحسب ما يتجلى لي من أسمائه و صفاته في صور الكائنات فأخلق من ذلك إلهاً أعتقد فيه و أعبده. و هذا معنى قوله في موضع آخر: «فاللَّه عبارة لمن فهم الإشارة» و معنى قوله «فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً». هذا هو الحق المخلوق، و هو الحق المتغير في صور المعتقدات.
«و حقّق فيَّ مقصده» أي و حقّق فيَّ مقصده من الخلق، لأن العلة الغائية من الخلق هي أن يعرف اللَّه كما سبق أن ذكرنا. و قد تحقّقت هذه الغاية في الإنسان خاصة لأن الإنسان- لا سيما الإنسان الكامل- هو الذي يعرف الحق المعرفة الكاملة.
(٩) «و لما كان للخليل هذه المرتبة .. و جعله ابن مَسَرَّة مع ميكائيل للأرزاق».
(٩) جواب «لما» سنَّ القِرى: و قوله لذلك متعلق بالفعل سنَّ: فالجملة تقرأ هكذا «و لما كان للخليل هذه المرتبة التي بها سُمِّي خليلًا، سنَّ القِرى لذلك».
و المراد بالمرتبة أي مرتبة العرفان أو مرتبة الإنسان الكامل الظاهر فيه الحق بأكمل صوره، المغذِّي لذات الحق بجميع صفات الكمال الوجودية. يقول «و لذلك سن القرى» و القرى الضيافة و فيه يقدّم الغذاء للمضيفين: و ليس إبراهيم وحده هو الذي يقدِّم «الغذاء» للحق: أي ليس وحده هو الذي يغذي الذات الإلهية بإظهار أحكامها فإن المؤلف يقول:
|
إذا شاء الإله يريد رزقاً |
له فالكون أجمعه غذاء |
|
و لكن إبراهيم و أمثال إبراهيم من الكمل يقدمون ذلك الغذاء على الوجه الأكمل.
أما قوله «و جعله ابن مسرة مع ميكائيل للأرزاق» فوارد شرحه بالتفصيل في كتاب الفتوحات المكية (ج ١ ص ١٩١) في وصف العرش وَ حَمَلَتِه. و هو