فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٣ - الفص الخامس
التعلق»[١]. هذه هي الدائرة الفكرية التي يدور فيها ابن عربي طول الوقت، نراه ينتهي فيها دائماً إلى حيث ابتدأ. ينفي الشي ء ثم يحاول إثباته فينتهي به الإثبات إلى النفي، و يثبت الشي ء ثم يحاول نفيه فينتهي به النفي إلى الإثبات.
و لا عجب في ذلك ففكرة وحدة الوجود تحمل هذا التناقض في نفسها، لا سيما في مذهب رجل يعتبر وحدة الوجود بديهية من البديهيات ثم يأبى إلا أن يحتفظ بالصورة التقليدية التي بها الإسلام للَّه. فإذا ما تعارض ذلك مع مذهبه أخذ يهدم تلك الصورة و يضيع معالمها.
يتكلم عن علم اللَّه و إرادته كما يتكلم المسلمون، ثم يبدو له أن الموجودات و كل ما يظهر عنها ثابتة قارّة في ذات الحق ثبوتاً أزلياً: فيقول إن الحق أرادها كما علمها، و علمها بما أعطته هي من ذاتها، فأرادها على ما هي عليه، و لو أراد غير ذلك ما وقع! أ ليس هذا تعطيلًا للإرادة؟ أو أ ليس هذا نفياً للإرادة بعد إثباتها؟ راجع عن التقدير الأزلي للوجود الفص الأول (التعليق ٣) و الفص الثاني (التعليق ٣) و الفص الثامن في قوله في الإنسان إنه منعم ذاته و معذبها فلا يذمنَّ إلا نفسه و لا يحمدن إلا نفسه. راجع أيضاً معنى القضاء و القدر في الفص الرابع عشر.
(٥) «و إنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون».
(٥) هذه تتمة لما سبق لأنه يفسر لما ذا ورد في القرآن قوله «لَوْ شاءَ»^ و «إِنْ يَشَأْ»^ و أمثالهما مع أن الأمر لا مجال فيه لتغيير و لا تبديل. الجواب على ذلك أن هذه هي الأساليب التي يفهمها المخاطبون الذين يعتمدون على النظر العقلي لا على الكشف إذ العقل ينسب إلى اللَّه قدرة لا نهاية لها و إرادة لا حد لاختيارها.
و لكن هذا جهل بطبيعة الوجود و سوء أدب مع اللَّه، لأن الخروج على طبيعة الوجود ينافي الحكمة و لا يزيد في كمال الألوهية شيئاً. أما صاحب الكشف فلا
[١] أي لا تتعلق بالممكن إلا من ناحية واحدة هي ناحية إيجاده على ما هو عليه.