فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٢ - الفص الخامس
و في الدرجة الثانية ينكشف له أن الحق عين الدليل على نفسه لأن العالم لا وجود له إلا به. فهو بعد العلم بألوهية الحق عن طريق النظر في العالم يقول في كشفه الثاني إنه لا وجود إلا لهذا الإله. و هذا هو المراد بقول المؤلف: و هذا بعد العلم به (أي بالحق) منا (أي بواسطتنا) أنه إله لنا.
و في الدرجة الثالثة ينكشف له وحدة الوجود و أن كل شي ء هو في الحقيقة عين الآخر و أن كل ما يظهر في الوجود إنما يظهر عن عين واحدة لا عن غيرها.
و في هذا الكشف تنمحي الاثنينية- اثنينيّة الحق و الخلق- كما ينمحي التعدد المشاهد بالحسّ بين الموجودات. فإن قيل فما معنى حكم اللَّه و قضاؤه في الأشياء؟
أجاب ابن عربي: «ما يحكم علينا إلا بنا: لا، بل نحن نحكم علينا بنا و لكن فيه» أي في الحق.
(٤) «فإن قلت فما فائدة قوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ»؟ (٤) هنا يشرح ابن عربي جزءاً من نظريته الأخلاقية المتفرعة عن نظريته العامة في وحدة الوجود. إذا كان الوجود على الحقيقة واحداً و إذا كان كل ما يظهر فيه من خير و شر و من معصية و طاعة مقدراً أزلًا بمقتضى طبيعة الوجود نفسه كما شرحناه آنفاً، لزم ضرورة أن يكون في الكون مهتدون و غير مهتدين، و أن يكون فيه خير و شر و طاعة و معصية و جمال و قبح و نفع و ضر، لأن هذه كلها أمور تقتضيها طبيعة الوجود ذاتها.
و قد شاء الحق- و مشيئته هي إرادته الأزلية التي هي قانون الوجود العام- أن يكون في الخلق مهتدون و غير مهتدين، و قضت بذلك طبيعة الوجود و لا مردّ لقضائها، فامتنع وجود الهداية العامة لامتناع المشيئة-. و ما كان للمشيئة الذاتية التي اقتضت أعيان الموجودات على ما هي عليه في ذاتها أن تشاء غير ما هو عليه الأمر في نفسه. و لذلك جاءت الآية ب «لو» التي تفيد امتناع شي ء لامتناع شي ء آخر. إن اللَّه يعلم الأشياء على ما هي عليه و يريدها كما يعلمها- أي كما هي عليه أو كما توجبه أعيانها الثابتة في الأزل، و لهذا قال المؤلف: «فمشيئته أحدية