فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٠ - الفص الخامس
الكرم أو نحوها من الصفات التي اصطلح على نسبتها عادة إلى اللَّه.
(٣) «ثم إن الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلهاً .. فيتميز بعضنا عن بعض».
(٣) يفرق ابن عربي بين الذات الإلهية المعرّاة عن كل نسبة وجودية، المجردة من أية علاقة زمانية بالوجود الخارجي، البعيدة عن متناول الإدراك، و بين الذات الإلهية المتصفة بالألوهية: أي بين «الواحد» و اللَّه. أما الذات المجردة فليست إلهاً، لأن الألوهية تقتضي المألوهية و لا معنى لها و لا وجود بدونها: فالحق الوهّاب يفترض الخلق الموهوب، و الحق الرحيم يفترض الخلق المرحوم و هكذا. و هذا معنى قوله: «فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً». و لا تعرف الألوهية و صفاتها إلا إذا عرفت المألوهية و صفاتها و هذا هو معنى قوله: «من عرف نفسه عرف ربه» أي من عرف عبوديته عرف ربوبية الرب.
و لو أن مدعياً ادعى أن في الإمكان أن يعرف «اللَّه» من غير نظر في العالم- كما ذهب إليه بعض الحكماء و أبو حامد الغزالي، لأجابه ابن عربي بقوله: ليس من المستحيل أن يصل العقل عن طريق النظر الصرف إلى افتراض وجود موجود واجب الوجود: خارج عن حدود الزمان و المكان: أزلي قديم إلخ .. غير أن هذا الموجود إذا جردته عن جميع الصفات و الأسماء التي يتكوّن منها مفهوم الألوهية لا يكون إلهاً. و قد برهن أرسطو على وجود محرك أول لأنه رأى أن الحركة لا يمكن أن تذهب إلى غير نهاية، و برهن فلاسفة المسلمين على وجوب واجب الوجود، و لكن لا المحرك الأول الذي أثبته أرسطو و لا واجب الوجود- إذا قرر وجوده بعيداً عن العالم و نسبه- بإله بالمعنى الديني. هذه أدلة قد ترضي الفلاسفة أو غير الإلهيين: أما الإلهيون فلا يقنعون بها.
تتوقف فكرة الألوهية إذن- في نظره- على التأمل في المخلوقات، بما في