فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٥٩ - الفص الخامس
(٢) لما كانت الحقيقة الوجودية واحدة لزم أن ننسب إليها جميع صفات الموجودات المحمود منها و المذموم، لأن التفرقة بين صفات الأشياء على أساس المدح و الذم تفرقة أخلاقية أو دينية و هي بذلك اعتبارية لا حقيقية. أما الموجودات في ذاتها فلا توصف بأنها محمودة أو مذمومة، كما أن الأفعال في ذاتها لا توصف بأنها خير أو شر. و كل ما يمكن أن يقال في أي موجود هو أنه مجلى يظهر فيه الحق بصفة أو صفات هي كيت و كيت سواء أ كانت هذه الصفات مما اصطلح العرف أو الشرع أو القانون الخلقي على تسميتها محمودة أو مذمومة أو لم تكن. و إذا كان الأمر كذلك فيستوي أن نقول إن «الحق» يظهر بصفات المحدثات المحمود منها و المذموم، و أن نقول إن الخلق يظهر بصفات الحق. أما أن الحق يظهر بصفات المحدثات فقد أخبر بذلك عن نفسه في مثل قوله:
«وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ»، و قوله: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»، و قوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» إلى غير ذلك من الآيات. غير أنه يجب ألا يغرب عنا ما ذكرناه آنفاً في مسألة التنزيه و التشبيه، أن ابن عربي لا يفهم هذه الآيات على أنها دالة على مجرد التشبيه- كما يقول المشبهة- بل يفهم منها أن الحق هو الظاهر في صورة كل من اصطلحنا على تسميته ماكراً، و أنه الظاهر في صورة المستهزئ و المؤذي و غير ذلك. و قد أوضح ذلك المعنى بما لا مزيد عليه في الفص السابق (الفص الرابع) حيث قال: «بل هو العين الواحدة و هو العيون الكثيرة ...
قال- يا أبتِ افعل ما تؤمر- و الولد عين أبيه (لأنهما مظهران لذات واحدة) فما رأى يذبح سوى نفسه. و فداه بذبح عظيم- فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان و ظهر بصورة ولد ... و خلق منها زوجها فما نكح (أي آدم) سوى نفسه: فمنه الصاحبة و الولد و الأمر واحد في العدد». ليس بغريب إذن أن يأتي هنا و يقول إن الحق يظهر بصفات المحدثات.
أما ظهور الخلق بصفات الحق فكظهور الإنسان بصفة العلم أو الرحمة أو