فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٦ - الفص الخامس و العشرون
عليه معناه و يقبض على ما هو عليه: أي على الحال التي هو عليها قبل موته مباشرة.
و بذلك يفرق بين الكافر المحتضر و الكافر المقتول غفلة أو الميت فجاءة، و يعد فرعون من النوع الأول.
(٢٣) «و أما حكمة التجلي و الكلام في صورة النار فلأنها كانت بغية موسى».
(٢٣) طلب موسى النار فظهر له الحق في صورتها التي أشار إليها في قوله لأهله:
«امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» (طه آية ١٠). و قد تجلى له الحق في صورة النار لأنها عين مطلوبه أولًا، و لأن النار رمز القهر و المحبة ثانياً. أما أنها رمز القهر فلأنها تفني كل ما اتصل بها و تحوله إلى طبيعتها.
و كذلك الحق يفنى فيه كل ما اتصل به، أي كل من تحقق من وحدته الذاتية به. أما أنها رمز المحبة فلأنها مصدر النور المحبوب لذاته.
و لكن شهود موسى للحق في صورة النار لم يكن شهوداً كاملًا، لأن الحق كلمة في ذلك المقام بقوله: «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» (طه آية ١٢)، و مقام المكالمة يقتضي الاثنينية، أما مقام الشهود الحقيقي فيقتضي فناء المشاهد في المشاهَدِ، و هو المشار إليه بقوله تعالى: «قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ لَنْ تَرانِي ... فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً». (الأعراف آية ١٤٢).
و ليس موسى وحده هو الذي تجلى له الحق في صورة مطلوبة، فإن الحق يتجلى لكل منا في صورة ما يحب، و صورة الحب هي صورة الاعتقاد كما ذكرنا (التعليقات ٥، ٦، ٧ على الفص الهاروني، و التعليق ١٢ على الفص الموسوي). فهو يتجلى في صور الاعتقاد و يعبد فيها، أو يحب فيها، لأن الحب هو أساس العبادة و المطلوب لذاته عند الجميع.