فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٨ - الفص السادس و العشرون
سالماً و يداه على رأسه من الألم الذي أصابه من صياح القوم به. فقال لهم «ضيعتموني و أضعتم قولي و عهدي» لأنه كان عاهدهم ألا يصيحوا به و هو في المغارة. ثم أخبرهم بموته و أمرهم أن يقبروه و يرقبوه أربعين يوماً: فإذا أتى قطيع من الغنم يقدمه حمار أبتر و حاذى قبره و وقف، نبشوا عليه قبره، فإنه يقوم و يخبرهم بجلية الأمر بعد الموت عن شهود و رؤية، فيحصل للخلق كلهم عين اليقين بما أخبرت به الرسل. فلما مات و حدث ما أخبرهم به من قدوم قطيع الغنم، هَمَّ مؤمنو قومه و أولاده أن ينبشوا عليه، فأبى أكابرهم و قالوا يكون ذلك عاراً علينا عند العرب، فيقال فينا أولاد المنبوش، فحملتهم الحمية الجاهلية على ذلك، فضيعوا صيته و أضاعوه [١].
هذا ما نعرفه من قصة خالد بن سنان نبي العرب قبل الإسلام، و قد ذكره ابن عربي في هذا الفص ممثلًا للنبوة البرزخية، و هي الإخبار بأحوال الآخرة في البرزخ.
و قد كان هذا قصد خالد عند ما سأل أهله أن ينبشوا عليه قبره ليخرج إليهم، فيخبرهم أن أمر الآخرة إنما هو على نحو ما وصف الأنبياء لأقوامهم، و بذلك يصدق دعوى الأنبياء جميعاً. و لكنه ضيعه قومه لأنهم لم ينبشوا قبره كما طلب و لم يبلغوه مراده. و ليس في الفص غير هذا يستحق التعليق.
[١] راجع شرح القاشاني على الفصوص ص ٤٢٦. قارن بلوغ الأرب للألوسي ج ١ ص ١٧٦ و ج ٢ ص ١٦٤ و ما بعدها.