بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٧ - البحث الرابع في اعتبار التوثيقات الموجودة
أين نعلم خلوّ توثيقاته من أعمال الحدس، فمثلا: من أين نعلم أنّ الشّيخ لم يقبل قول النقلة المجهولين في بيان التّوثيقات اعتمادا على أصالة العدالة، كما نسبت إليه فيما سبق؟
و من أين نفهم أنّه لم يوثّق الّذين روي عنهم ابن أبي عمير و صفوان و البزنطي؟
و قد صرّح في محكي عدّته بأنّ هؤلآء الثّلاثة لا يرون و لا يرسلون إلّا عمّن يثقون به، فالشيخ يعامل مع من روي عنهم هؤلاء الثلاثة و غيرهم، معاملة الثقات اعتقادا منه بأنّ رواية أحد هؤلآء عن شخص بمنزلة قوله في حقّه أنّه ثقة، فلا منافاة بين توثيق الشّيخ لمثل هذا الرّاوي و بين قوله السّابق في الفهرست و العدّة أصلا.
و من أين نعتقد أنّ الشّيخ لم يقبل قول المعدلين و الموثّقين المجهولين في توثيقاتهم، أو قول ناقلي التوثيقات المجهولين بواسطة القرائن الحدسية؟
فإن قلت: سلّمنا ذلك، لكن يدور الأمر في وثاقة كلّ راو بين كونها حسيّة أو حدسيّة، و بناء العقلاء في ذلك على حملها على الأوّل.
قلت: نعم، لولا العلم الإجمالي بوجود توثيقات ناشئة عن الحدس استنادا إلى تصريح نفس الشّيخ، كما أشرنا إليه و يأتي مفصّلا.
على أنّ النقض بمثل مرسلات الصّدوق و غيره فيما إذا قالوا: قال الصّادق عليه السّلام كذا باق بحاله، إذا الفاضل المتدين- فضلا عن مثل الأعاظم و رؤساء المذهب كالكليني و المفيد، و الشّيخ و الصّدوق و الصفار و من يحذو حذوهم- كيف ينسب قولا إلى الصّادق و هو يعلم بعدم صحّة النسبة أو يشك في صحتها؟
فلا بدّ من البناء على صحّة المرسلات مع أنّهم لا يقبلون مطلق المرسلات.[١]
[١] . و قد يدّعي بعض المشتاقين إلى التّوثيق أنّ الفرق بين إرسال التّوثيق و إرسال الرّواية، واضح عند التأمّل، فإنّ إرسال مثل الشّيخ و النجاشي إنّما يكون بعد سماعهم عن مشايخهم، جميعهم أو أكثرهم بحيث يحصل لهم العلم الوجداني أو التعبّدي بذلك، فيوجب العلم بأنّ الوسائط ثقات. و لو كان لديهم أدنى شكّ أو اختلاف لنسبوا ما ذكروه إلى الشّخص الّذي نقلوا عنه، فكيف يقاس ذلك بالإرسال في الرّواية؟ فإنّ الإرسال فيها غير موجب للعلم بوثاقة من أرسل عنهم.
أقول: ما ادّعاه مجرّد توهّم لا واقعية له؛ إذ يمكن اعتمادهما في التّوثيق على كتاب واحد أو شخص واحد ضعيف أو مجهول، حصل لهم الظّن بالصدق كابن النديم و ابن بطّة و أبي المفضل و العقيقي كما اعترف هذا القائل به في حقّ النجّاشي قبل ادّعائه هذا بأسطر، فكيف علم أنّ الشّيخ أو النجّاشي ينقل التّوثيقات و التضعيفات في جميع الموارد عن جميع مشائخه أو أكثرهم؟ على ان النقض بالروايات المرسلة باق و لم يقدر على بيان وجه الفرق.