بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٦ - البحث الرابع في اعتبار التوثيقات الموجودة
أقول: هذا الّذي خطر ببالي مجرّد حسن ظنّ بهؤلآء العلماء قدّس سرّهم فإنّ أوجب الاطمئنان لأحد، فله الاعتماد على التّوثيقات الموجودة، و إلّا فلا.
و الأصل في هذا الترديد إنّ إحراز وثاقة ناقلي التّوثيقات غير واضح السبيل؛ و لذا قد يختلف كلام الشّيخ رحمه اللّه في وثاقة أحد أو ضعفه، كما في حقّ سهل بن زياد. و ترى الشّيخ يضعف سالم بن مكرم بن عبد اللّه أبا خديجة، في حين أن النجّاشي يقول في حقّه: ثقة، ثقة.[١] فيعلم من هذا و أمثاله أنّ لكلّ معدل و رجالي أصولا خاصّة يبني عليها الجرح و التّوثيق.[٢]
و بعبارة أخرى: إنّ التّوثيقات و التحسينات على قسمين:
قسم منها: مستند إلى نقل سابق عن سابق حتّى ينتهي إلى الناقل المعاصر للراوي المقول فيه، و الظّاهر إنّ هذا القسم هو الأكثر.[٣]
و قسم منها: مستند إلى الحدس و الأمارات الاجتهاديّة على ما تقدّم أكثرها.
ثمّ إنّ وثاقة نقلة الوثاقة و الصّدق أيضا قد تستند إلى النّقل، و قد تستند إلى الحدس و هكذا.
و هذا القسم- أي: حدسيّة التّوثيق و التّحسين- هو الأقل، و حيث إنّ حدس الموثّق و المحسّن ليس بحجّة لنا، بل ثبت بطلانه في أغلب موارده فيما مرّ، يسقط جميع التّوثيقات و التحسينات عن الاعتبار ضرورة عدم تمييز بين التّوثيقات الحسيّة و الحدسية و خلط الحجّة باللاحجّة.
فإن قلت: ظاهر كلام النجّاشي و الشّيخ السّابق استناد جميع التّوثيقات إلى الحسّ، لا إلى الحدس.
قلت: أوّلا: نمنع ظهوره في العموم و الاستيعاب، بل المتيقن منه أو المظنون قويا من الخارج استناد أكثرها إلى الحسّ كما قلنا، فيسقط الجميع عن الاعتبار لما عرفت. على أنّ بناء العقلاء على الحسّ فيما يدور الإخبار بينه و بين الحدس، في المقام، أي: ما يكون الفصل بين المخبر و المقول فيه بمائة سنة مثلا، ممنوع و لا دليل عليه، و الدليل اللّبىّ يؤخذ بالمتيقّن منه.
و ثانيا: إنّ قبلنا ذلك في توثيقات النجّاشي رحمه اللّه، فلا نقبله في توثيقات الشّيخ قدّس سرّه؛ إذ من
[١] . بل نقل عن الشّيخ أيضا توثيقه و نقل عن ابن فضّال في حقّه أنّه صالح لا ثقة.
[٢] . يقول النجّاشي في حقّ الكشي: كان ثقة عينا، و روى عن الضعفاء كثيرا. و يعتقد الشّيخ الطّوسي وثاقة كلّ من روي عنه أصحاب الإجماع، كما يأتي بيانه في البحث الحادي عشر و البحث الحادي و العشرين، و نحن لا نقول بها.
و على هذا يقوي الإشكال في توثيقات الشّيخ لتطرّق الظّنون الاجتهاديّة في توثيقاته في حقّ من ثبت رواية أحد هؤلآء عنه.
[٣] . و قد مرّ أنّ أصالة البناء على الحسّ تثبت حسّية النقل، و لا تثبت وثاقة الناقلين.