بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٤ - البحث الرابع في اعتبار التوثيقات الموجودة
البيان؟ و لا أقلّ من الشّك في مثل هذا البناء، و اللبّي يؤخذ بالقدر المسلّم و المتيقّن، على أنّه منقوض بالرّوايات المرسلة، إذ لا قائل باعتبارها مطلقا و بلا استثناء، مع أنّ البيان المذكور جار فيها حرفا بحرف.
و هنا طريق آخر ذكره بعض الأعلام السّادة من المعاصرين حين المذاكرة معه في الحضرة العلويّة[١]، و هو: إنّ احتمال التواتر في الرّوايات المرسلة غير متحقّق؛ إذ طريق المصنفين إلى أرباب الكتب أو الأصول أو الرّواة معلومة معينة محدودة غالبا[٢]، فلا تكون المرسلات حجّة. و هذا بخلاف التّوثيقات الصادرة من علماء الرجال للرواة، فإنّ احتمال وصول وثاقة الرّواة إلى الشّيخ و النجّاشي و أمثالهما بنحو التواتر، بلا مانع.
و عليه فنقول: الظاهر هو البناء على التواتر، لما ثبت عند العقلاء أنّه لو دار الأمر بين كون خبر المخبر عن حسّه أو حدسه، يبنى على أنّه عن الحسّ، و في المقام إذا قلنا بالتواتر المزبور يكون التّوثيق حسيّا، بخلاف ما إذا أنكرنا التواتر فإنّ الشّيخ مثلا قبل توثيقه لأحد لا بدّ له من تطبيق صدق العادل على جميع نقلة هذا التّوثيق، و هذا التطبيق- أي: تطبيق الكبرى على المفيد و غيره من نقلة الثقات- حدسي ليس بحسّي.
أقول: هذا كلامه و كان يصّر عليه، و لكن يفسده امور:
أوّلا: إنّ لازمه حجيّة التّوثيق المرسل دون المسند بذكر الرّواة الثّقات بتقريب أنّ الوثاقة حينئذ حدسيّة ناشئة من تطبيق صدق العادل على النقلة، و هو كما ترى.
و ثانيا: عدم احتمال التواتر في جميع التّوثيقات كما يظهر من التّوثيقات المسندة في كلام النجّاشي و الكشّي و غيرهما، بل لم أجد موردا ثبتت الوثاقة بالتواتر المصطلح فيه، بل لا أذكر عاجلا موردا ادّعي المعدل فيه القطع بوثاقة أحد. فتأمّل.
كيف، و لو كانت التّوثيقات متواترة لما وقع الخلاف بين الشّيخ و النجّاشي و غيرهما من أرباب الرجال في التّوثيق و التضعيف، بل ربّما كان للشيخ مثلا قولان في راو واحد على ما مرّ.
[١] . و هو العلّامة الجليل السّيد على السيستاني( طال عمره) الّذي هو اليوم أحد مراجع التقليد بعد وفاة السّيد الخوئي رحمه اللّه، ثمّ إنّي لقيته بعد ١٧ سنة من ذاك اللقاء سنة ١٤١٤ ه/ ١٣٧٣ ش، في النجف الأشرف، فقلت له: هل عندك شيء جديد في هذا المقام؟ فلم يكن عنده شيء غير ما قاله سابقا.
[٢] . و لا يحتمل أن يكون للصدوق، مثلا- إذا أرسل حديثا- طريق متواتر لم يصل إلى غيره من علماء الحديث، كالكليني و الطّوسي، مثلا.