بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٠ - القول الرابع حجية مراسيل محمد بن أبي عمير
يقول النجّاشي في رجاله في ضمن ترجمة محمّد بن أبي عمير:
و قيل: إنّ اخته دفنت كتبه في حالة استتارها و كونه في الحبس أربع سنين، فهلك الكتب. و قيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدث من حفظه، و ممّا كان سلف له في أيدي الناس؛ فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله ...
أقول:
لم يفهم إنّ التفريع الأخير: فلهذا أصحابنا ... من النجّاشي أو من الحاكي عن هلاك الكتب، و على كلّ حال إن اريد من سكون الأصحاب و عدم الاعتراض على ابن أبي عمير بكثرة نقل المراسيل و عدم مطالبتهم إيّاه باسناد رواياته، فالتفريع المذكور مفهوم صحيح، و إن كان المراد منه: القبول و إلحاق مراسيله بمسانيده المعتبرة، فالتفريع المذكور غير مفهوم أصلا، فإنّ نسيان الرّاوي رواة أحاديثه لا يقتضي بوجه وثاقتهم و لا صدقهم، و هذا فليكن واضحا؛ و لذا يصبح الشّق الأوّل أرجح، بل متعينا.
و بالجملة:
الإيراد على الكلام المذكور من جهتين، من جهة احتمال أنّه من مقولة القائل المجهول حاله، و من جهة أن سكون جمع إلى مراسيل أحد، لا يكون دليلا على غيرهم حتّى إذا فسرنا السكون بالقبول من جهة كلمة (إلى) و يبعد كلّ البعد توافق كلّ الأصحاب على ذلك، و سيأتي ما يدلّ عليه أيضا إن شاء اللّه.
لا يقال: إنّ ابن أبي عمير إنّما نسي أسامي من روي عنهم، دون وثاقتهم أو كذبهم، فهو يعلم أنّ أحاديثه كلّها مروية عن الثقاة و الحسان.
فإنّه يقال: إنّه مجرّد احتمال.
و دعوى أنّ السكون مستند إلى فهم الطائفة أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة، ضعيفة و مخالفة لقوله: (فلهذا)- أي: لأجل تلف الكتب و نسيان أسامي الرّواة- على أنّ النجّاشي أو القائل المجهول، يخصّ كلامه بمراسيله دون مسانيده، و لم يدع إنّ ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة، بل يمكن أنّ يكون القول المذكور: (فلهذا) ردّا على الشّيخ في أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة، يعني: أنّ علّة سكون الأصحاب إلى مرسلات ابن أبي عمير؛ لأجل تلف كتبه و نسيانه أسمائهم، لا لأجل أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة، فلاحظ.
نعم، للشيخ الطّوسي وجه آخر في اعتبار مراسيله، و هو أنّ ابن أبي عمير ممّن لا يروي