معارف قرآنيه - فوزي آل سيف - الصفحة ٧٩ - من جهات الإعجاز في القرآن الكريم
الثاني: إن هذا يبطل فكرة الإعجاز الذاتي للقرآن الكريم، والحال أنه ثابت على مستوى البلاغة والبيان والعلم والتشريع.. فإذا كان عجز القرشيين ناشئا من انصرافهم عن ذلك بقوة غيبية، فإنه يعني أنه لو لا ذلك الجانب الغيبي لكان بإمكانهم أن يقوموا بمجاراته وتحديه!
إنما الصحيح هو أن القرشيين وهم الخبراء في البلاغة عندما اطلعوا على آيات القرآن رفعوا راية الاستسلام، ولم يعرضوا أنفسهم للسخرية بمبارزة القرآن.
إن هذا من الأمور الشائعة أن أحد الطرفين عندما يقيم الموقف فيرى أن الغلبة الباهرة لخصمه، لا يدخل معه في المواجهة، وإنما يتراجع عن ذلك وينسحب. وقد علم كفار قريش المستوى العالي لبلاغة القرآن الكريم وجهات من اعجازه.. وانبهر كبارهم بالقليل الذي سمعوا منه، وتلك قصة الوليد المخزومي شاهدة عليه، وذاك اعجاب أبي سفيان ونظرائه يدفعه إلى التلصص إلى الفجر لاستماع آياته! ومن جهة أخرى كانوا يعرفون قدراتهم وما هم عليه.. فمن الغباء أن يبرزوا للتحدي معه!
لنفرض أن الله صرفهم.. فهل صرف الجيل من بعدهم من أعداء القرآن؟ وهل صرف أهل الكتاب من النصارى واليهود فلم يدخل التحدي أحد منهم؟ وهل صرف ويصرف من جاء في القرون التالية؟ وهل التفتوا إلى هذا الصرف أو لم يلتفتوا؟ هل شاهدوا من أنفسهم أنهم عندما يأتون لمعارضة القرآن يمسكهم ماسكٌ ويعيقهم عائقٌ؟ بينما إذا أرادوا انشاء القصائد العصماء في غيره من المواضيع انطلقوا؟
كلا.. إنما الصحيح هو أن القرآن في لفظه معجز وفي معناه.. وأن من حاول مجاراته جاء بمهازل ومضحكات.. كما نقل ذلك الإمام الخوئي في كتابه البيان. من أن أحد المسيحيين، حاول أن يأتي بشبيه لسورة الفاتحة، فجاء بما يدل على سخافة منطقه، وجهالة رأيه.