الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٣٤٨ - في الصدق وأداء الأمانة
ثم في الوفاء بالعزم، فالنفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذا لا مشقة في الوعد، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة، وهذا يضاد الصدق فيه، ولذلك قال تعالى: ((رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ))[١٥٠٢].
ثم في الأعمال، بأن يبذل جهده، بحيث لا يكون ظاهره مخالفاً لباطنه لا بأن يترك العمل بالمرة، بل بأن يسخر الباطن الى تصديق الظاهر، وهذا غير ريائي، لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك لأجل الخلق، وربّ واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره، ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن نظر إليه رآه قائماً بين يدي الله، وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته. وكذلك قد يمشي على هيئة السكون والوقار، وليس باطنه موصوفاً بذلك، فهذا غير صادق في عمله وإن لم يكن ملتفتاً إلى الخلق ولا مرائياً إياهم، ولا ينجو من هذا إلا باستواء السر والعلانية، بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيراً من ظاهره، وهذا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها[١٥٠٣]).
ثم في مقامات الدين، وهو أعلى درجات الصدق وأعزها، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والحب والتوكل وسائر المكارم، فإن هذه الأمور لها مبادئ ينطلق الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق، والصادق المحقق من نال حقيقتها، قال الله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا)) الى قوله: ((أُوْلئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ))[١٥٠٤] وقال عزّوجل: ((وَلكِنَّ
[١٥٠٢] سورة الأحزاب/ ٢٣.
[١٥٠٣] نهج البلاغة، الشريف الرضي: ١/ ٢٥٠، خطب أمير المؤمنين عليه السلام، الخطبة ١٧٥ له عليه السلام في الموعظة وبيان قرباه من رسول الله.
[١٥٠٤] سورة الحجرات/ ١٥.