الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٢٧٩ - الفصل الرابع في الخوف
وأما الصفات فهو أن يقمع الشهوات بالخوف ويؤدب الجوارح ويكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سماً، فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والذلة والاستكانة، ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل يصير مستوعب الهمة بخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرق لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات، فيكون ظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره.
هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه، وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال الامتناع من المحظورات[١١٧٩]، ويسمى الكف الحاصل من المحظورات ورعاً، فإن زادت قوته وكف عما يتطرق إليه إمكان التحريم فيسمى ذلك تقوى، إذ التقوى أن يترك ما يريبه[١١٨٠] إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبني ما لا يسكنه ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفساً من أنفاسه فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صديقاً.
ويدخل في الصدق التقوى، وفي التقوى الورع، وفي الورع العفة، فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة، فإذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام[١١٨١].
[١١٧٩] الحظر:هو خلاف الإباحة. المحظور: المحرم.
لسان العرب، ابن منظور: ٤/ ٢٠٢، مادة "حظر".
[١١٨٠] الريب: الشك. والريب: ما رابك من أمر، والاسم الريبة بالكسر، وهي التهمة والشك. الصحاح، الجوهري: ١/١٤١، مادة "ريب".
[١١٨١] أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: ١٦٠ ــ ١٦١، الباب الثالث في الرجاء والخوف، الفصل الأول حال من غلب عليه الخوف. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: ٧/ ٢٦٩ ــ ٢٧١، كتاب الخوف والرجاء، بيان درجات الخوف واختلافه في القوة والضعف. إحياء علوم الدين، الغزالي: ٤/ ١٣٦ ــ ١٣٧، كتاب الخوف والرجاء، بيان حقيقة الخوف.