الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ٣٨٥ - الخيال و مغايرته للحسّ المشترك
و ثانيها: الخيال. و هي قوّة مرتّبة في آخر التجويف الأوّل يجتمع فيها مثل المحسوسات بعد الغيبوبة حافظة لها، و هي خزانة الحسّ المشترك.
و استدلّوا على مغايرته للحسّ المشترك: بأنّه حافظ، و الحسّ قابل، و هما متغايران، كما في الماء.
و لأنّ القبول و الحفظ لو صدرا عن قوّة واحدة، لصدر عن الواحد أكثر من واحد.
و أيضا الفرق حاصل بين حصول الصورة، و الذهول عنها، و النسيان لها؛ فالاستحضار هو حصول الصورة في القوّتين، و الذهول زوالها عن المدرك و انحفاظها في الخزانة، و النسيان زوالها عنهما.
قيل [١]على الأوّل: إنّ تغاير قوّتي القبول و الحفظ في صورة الماء لا يستدعي التغاير مطلقا؛ فإنّ التمثيل غير مفيد.
و أمّا كون الواحد لو صدر عنه القبول و الحفظ، لصدر عن الواحد أكثر من واحد، فمعارض بالحسّ المشترك المدرك لأشياء مختلفة و بالنفس الفاعلة لأفعال مختلفة.
و أيضا الخيال إذا كان حافظا، وجب أن يقبل حتّى يمكنه الحفظ.
و على الثاني: إنّ تجويز الحصول في الحافظة حالة الذهول يقتضي القول بأنّ الإدراك ليس هو حصول الصورة في المدرك.
و على هذا التقدير جاز أن تحصل الصورة في الحسّ المشترك من غير الإدراك.
و أيضا القوّة العاقلة ليست لها حافظة مع حصول الأحوال الثلاث لها. فإن جعلتم الحافظ لها هو العقل الفعّال، قلنا: فليكن هو حافظا للحسّ المشترك [٢].
أجاب بعض المحقّقين [٣]عن الأوّل: بأنّ الماء لم يذكر على سبيل التمثيل؛ بل برهانا على حكم جزئيّ مناقض للحكم الكلّي بأنّ القابل هو الحافظ.
و صورته [٤]: الماء قابل، الماء ليس بحافظ؛ فبعض القابل ليس بحافظ. و هو يدلّ
[١] . في هامش «ت» : قائله الفخر الرازي. انظر «المباحث المشرقيّة»٢:٣٣٩.
[٢] . «الإشارات و التنبيهات مع الشرح»٢:٣٣٥ نقلا عن الفخر الرازيّ.
[٣] . في هامش «ت» : و هو نصير الدين الطوسي. انظر: «الإشارات و التنبيهات مع الشرح»٢:٣٣٨.
[٤] . أي: صورة البرهان. و في «ت» : و صورته من الشكل الثالث.