الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ١٠ - في أنّ موضوع المنطق ليس هو الألفاظ و لا التصوّر و التصديق
يتوصّل إلى التصديق. أمّا التصوّر فقد يقع بالمفردات.
ثمّ الأشياء قد يكون فيها تأليف، و العلم بالمؤلّف مسبوق بالعلم بمفرداته لا من كلّ وجه؛ بل من الوجه الذي لأجله يصلح أن يقع فيها التركيب و التأليف، كذلك المنطق ليس نظرا في المفردات من حيث هي ماهيّات، و لا أيضا من حيث هي على أحد نحوي الوجود: العيني و الذهني؛ بل من حيث هي محمولات و موضوعات و كلّيّات و جزئيّات و غير ذلك.
و هذه اللواحق إنّما تلحق الماهيّة عند لحوظ كونها في التصوّر؛ فإنّه ليس في الموجودات الخارجيّة ذاتيّة و لا عرضيّة و لا كون الشيء موضوعا و محمولا و لا مقدّمة و لا قياسا؛ بل هذه تلحق الماهيّة إذا قيست إلى الوجود الذهني.
أمّا إذا لحظت الماهيّة من حيث هي هي، لم يلحقها شيء من ذلك؛ بل تكون لها اعتبارات تخصّها. و كذلك إذا لحظت من حيث هي موجودة بالوجود الخارجي، فإذن الأمور الذهنيّة إذا لحظت-لا من حيث تقاس إلى أمر خارجي؛ بل من حيث إنّها توصل إلى إدراك مجهول، أو تنفع في الوصول إليه-كانت هي من تلك الحيثيّة موضوع المنطق، فإذن موضوعه هي المعقولات الثانية من حيث يمكن أن يتأدّى بواسطتها، من المعلومات إلى المجهولات [١].
و قد ظنّ بعض الناس أنّ موضوعه الألفاظ [٢]، و هو خطأ فاحش؛ فإنّ نظر المنطقي في اللفظ ليس بالقصد الأوّل؛ فإنّه لو أمكنه إيصال ما في ذهنه إلى الغير لا بواسطة اللفظ، لاستغنى عن اللفظ مطلقا و نسبة اللفظ إلى الحاضرين كنسبة الكتابة إلى الغائبين، فكيف يجعلون موضوعه مختصّا بما يتعلّق بالحاضرين دون الغيّاب؟ !
و ظنّ المتأخّرون [٣]أنّ موضوعه هو التصوّر و التصديق؛ لأنّ المنطقي ناظر في الموصل إليهما-كالقول الشارح و الحجّة-و فيما يتوقّف عليه الموصلان-كالجنسيّة
[١] . حول هذا المبحث انظر: «الشفاء» ، المنطق ١:٢١، المدخل.
[٢] . انظر: «المنطقيات»٢:٩؛ «إحصاء العلوم» :٥٨؛ «شرح المطالع» :١٩، و لم يسمّ أحد منهم قائله، و إنّما نسبوه إلى الأوهام.
[٣] . منهم صاحب المطالع، انظر: «شرح المطالع» :١٩-٢٠.