الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ٣٦٨ - مناقشة المصنّف (قدّس سرّه) لأدلّة القوم و تحقيقه في المسألة
و أمّا الثانية: فإنّا نقول: قد بيّنّا معنى الاشتراك في الصورة المعقولة و هو لا يقتضي التجرّد.
و أمّا الثالثة: فإنّه عائد عليكم على تقدير التجرّد؛ و ذلك لأنّ إدراك النفس لهذه الآلات ليس لانطباع صورتها في النفس؛ فإنّ المجرّد لا يرتسم فيه الأمر المادّي، بل لحصول صورة الآلة في مادّتها أو لحصول صورة أخرى في المادّة.
و على التقديرين يلزم ما ذكرتم.
و جوابكم عن هذا هو جوابنا بعينه عمّا قلتم.
و أيضا ينتقض هذا بلوازم النفس و صفاتها؛ فإنّها يجب أن تكون معقولة أبدا أو غير متعقّلة أبدا.
و أجاب عن هذا بعض المحقّقين: بأنّ صفات النفس، منها: ما يجب لذاتها ككونها مدركة لذاتها. و منها: ما يجب بالمقايسة بالغير ككونها مجرّدة عن المادّة. فالنفس متعقّلة للصنف الأوّل دائما دون الصنف الثاني؛ لافتقارها في التعقّل إلى أمر زائد على ذاتها [١].
و أقول: النفس قد تغفل عن إدراكها لذاتها، و إلاّ لوجب ترتّب أمور متسلسلة دفعة واحدة في النفس، و هو محال.
و أيضا فإنّ الصورة إذا حصلت في الآلة، لم يلزم اجتماع مثلين في محلّ واحد؛ لأنّ أحد المحلّين هو الآلة، و الثاني هو المادّة.
أجاب عن هذا بعض المحقّقين: بأنّ المحال عائد بعينه ها هنا؛ فإنّ اقتران أحد المقترنين بشيء يجب فيه اقتران الآخر به [٢].
على أنّا نقول: هذا يتوقّف على استدعاء التعقّل حصول صورة المعقول في العاقل.
و مع تسليمه نقول: الصورة الذهنية لا شكّ في أنّها مغايرة للصورة الخارجية؛ فإنّ إحداهما عرض، و الأخرى جوهر، و على تقدير أن يكونا عرضين يكون أحدهما عرضا ذهنيا و الآخر خارجيا يصدر عنه ما يستحيل صدوره عن الأوّل، فالمشاركة بينهما ليست حقيقيّة، و على هذا التقدير جاز أن تحلّ الصورة الذهنية فيما تحلّ فيه الصورة