الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ٣٨٨ - استدلالهم أنّ القوّة الواحدة لا يصدر عنها أمران
و تفصّل؟ فإنّ هذا الفعل [١]إن كان طبيعيا، لم يكن على جهات متنافية [٢]كتفصيل شيء و تركيبه. و إن كان إراديّا، فالإرادة إن كانت لها كانت مدركة، و إن كانت لغيرها، لم تكن إرادة كلّية؛ لأنّ الإرادة الكلّية لا تقتضي التفصيل و التركيب الجزئيّين؛ بل لا بدّ من إرادة جزئية و هي لا بدّ لها من تصوّر جزئي لتفصيل جزئي و تركيب جزئي.
و تخصّصه إنّما يكون لتصوّر ذلك الحكم الخاصّ و الصور الخاصّة حتّى تتعيّن له إرادة جزئية خاصّة، فذلك الشيء إذا جمع التصوّرات الخاصّة و الأحكام الخاصّة الجزئية، فله الجمع و التفصيل بذاته، فلما ذا يحتاج إلى متخيّلة؟ و ما الذي دلّ عليها إلاّ التركيب و التفصيل؟
و خامسها: الذاكرة. و هي قوّة مرتّبة في التجويف الأخير من الدماغ من شأنها حفظ أحكام الوهم و جميع تصرّفات المتخيّلة و الوهمية. و نسبتها إلى الوهم كنسبة الخيال إلى الحسّ المشترك. و هذه القوّة تسمّى متذكّرة و حافظة، فكونها حافظة لصيانتها ما فيها. و كونها متذكّرة لسرعة استعدادها لاستثباتها و التصوّر بها مستعيدة إيّاها إذا فقدت، و ذلك عند إقبال الوهم بقوّة المتخيّلة مستعرضا واحدا واحدا من الصور [٣].
و استدلّوا على اختصاص كلّ قوّة بآلتها بأنّ الفساد إذا تطرّق إلى تجويف اختلّت القوّة المنسوبة إليه.
و بهذا استدلّوا على مغايرة القوى؛ فإنّ تجويف كلّ قوّة إذا أصابته آفة اختلّت تلك القوّة مع بقاء غيرها.
و قد يستدلّون أيضا بأنّ القوّة الواحدة لا يصدر عنها أمران [٤].
و هذان الوجهان فاسدان.
[١] . في «ت» : الفصل.
[٢] . في «ت» : متباينة.
[٣] . هذا ملخّص ما نقله العلاّمة المصنّف قدّس سرّه من كلام الشيخ في «الشفاء» الطبيعيّات ٢:١٤٩، كتاب النفس. لكنّ الشيخ ذكر كلاما يختلف عن هذا في كتابه «القانون»١:٣٢٥-٣٢٦ حيث قال في فصل القوى النفسانية: «و هاهنا موضع نظر فلسفي في أنّه هل القوّة الحافظة و المتذكّرة المسترجعة لما غاب عن الحفظ من مخزونات الوهم قوّة واحدة أو قوّتان؟» .
[٤] . «الإشارات و التنبيهات مع الشرح»٢:٣٤٨؛ «شرح المقاصد»٣:٢٩٤.