الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ٣٤٤ - في ذهاب جماعة إلى أنّ العناصر تفسد صورها عند المزاج
ثمّ ننازعهم في ملازمة الأجسام لهذه الكيفيات فإن عوّلوا فيه على الاستقراء، لم ينفعهم في إفادة اليقين.
و قولهم: الثقل و الخفّة إنّما يوجبان التباعد، و ما به الانفعال يحصل به التقارب [١].
فيه نظر؛ فإنّ الحرارة و البرودة يوجبان التباعد أيضا بتوسّط إيجابهما الثقل و الخفّة.
[٥٠]سرّ
قالوا: و إذ لا كيفية نافعة سوى هذه الأربع، تركّبت منها أربع مزاوجات، فالحارّ اليابس هو النار، و الرطب هو الهواء، و البارد الرطب هو الماء، و اليابس هو الأرض [٢].
فلو قيل لهم: لم لا يجوز وجود جسم متّصف بإحدى هذه الكيفيات دون اتّصافه بالأخرى؟ اعتمدوا في دفعه، على الاستقراء.
قالوا: و الفائدة من الرطوبة قبول الشكل للمركّب، و من اليبوسة حفظه، و من الحرارة حصول النضج، و من البرودة حفظ الشكل المستفاد من التركيب، و مع اجتماع هذه العناصر الأربع تنكسر صرافة كيفية كلّ واحد منها بالآخر، و تحصل كيفية متشابهة في الكلّ، متوسّطة بين الأضداد و هي المزاج [٣].
ثمّ اختلفوا في كيفية حصول المزاج فذهب جماعة من القدماء إلى أنّ العناصر تفسد صورها عند المزاج، و تحصل للمركّب صورة أخرى مغايرة لتلك.
و احتجّوا: بأنّ النار لو اتّصفت بالصورة اللحمية مع بقاء طبيعتها النارية، لم يبعد أن يعرض للنار الصرفة ما يجعل حرارتها بالغة إلى الحدّ الذي تستعدّ به لقبول الصورة اللحمية، و حينئذ يصير ذلك الجزء من النار وحده لحما فلا يجب في المركّبات تكثّر الأسطقسّات [٤].
[١] . «المباحث المشرقيّة»١:٤٠٤.
[٢] . «الإشارات و التنبيهات مع الشرح»٢:٢٥٢؛ «المباحث المشرقيّة»٢:١٢٨.
[٣] . «المباحث المشرقيّة»٢:١٥٦ و ما بعدها. عرّف الجرجاني المزاج بأنّه كيفية مشابهة تحصل من تفاعل عناصر منافرة لأجزاء مماسّة بحيث تكسر سورة كلّ منها سورة كيفيّة الآخر. انظر: «التعريفات» :٢٧٠، الرقم ١٣٤٢.
[٤] . «الشفاء» الطبيعيّات ٢:١٣٣-١٣٧، الكون و الفساد؛ «المباحث المشرقيّة»٢:١٦٢.