فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥١ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث الأنبياء /٢ الشيخ خالد الغفوري
٦ ـ إنّ هذا الاهتمام بشأن المال إنّما يعقل فيما لو كان هناك مال كثير ذو خطر، وهذا لايتلاءم مع حال زكريا (عليه السلام) ؛ إذ لم ينقل عنه أنّه كان متموّلاً وذا ثروة كبيرة، فقد کان يعمل خيّاطاً أو نجّاراً ويأکل من عمل يده ، ومن كان مثل هؤلاء الحرفيين لا يکون ذا مال وفير في ذلك الزمان ، فضلاً عن أنّ الأنبياء يشتغلون بالرسالة عن جمع المال (٣٢).
سيما وأنّه كان مشهوراً بكمال الانقطاع إلى الله والتجرّد عن الدنيا ولذائذها، فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الأسى والحزن والقلق، ويستدعي من ربّه ذلك النحو من الاستدعاء والإلحاح.
٧ ـ مضافاً إلى ما روي من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّ العلماء ورثة الأنبياء ؛ وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنّما ورّثوا أحاديث ، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظّ وافر » ونحوه (٣٣)، الذي يدلّ على عدم اهتمام الأنبياء بالأموال ، وإنّما كان كلّ همّهم الاُمور المعنوية ، فهم ليسوا كالملوك والجبابرة .
المناقشة : إنّه يمكن أن يكون لهذه الإشكالات الأربعة ـ الرابع والخامس والسادس والسابع ـ وجه فيما لو كان دعاء زكريا (عليه السلام) لطلب الوارث ، وقد تبيّن أنّه طلب الولد في دعائه ، فلا يرد على هذا التفسير شيء ممّا ذُكر .
٨ ـ والاشكال المهمّ الذي يهدّد اعتبار هذا الاحتمال ولم يذكر قبلُ جوابه هو منافاة هذا الاحتمال مع ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)أنّه قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» (٣٤) حيث نُسب إلى الأكثر تفسير الحديث بأنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)لا يورث، وما ترك من أموال إنّما هو صدقة.
وفي كتاب أبي داود: «إنّ العلماء ورثة الانبياء، وأنّ الانبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ورّثواالعلم» (٣٥) .
(٣٢) اُنظر : برّاج، جمعة محمّد محمّد ، أحكام الميراث في الشريعة الاسلامية :٢٦٨.
(٣٣) القرطبي، محمد بن أحمد ، الجامع لأحکام القرآن ١١:٧٨.
(٣٤) اُنظر : المصدر السابق :٧٨، ٨٢.
(٣٥) المصدر السابق ١١:٧٨، ٨٢.