فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٧ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث الأنبياء /٢ الشيخ خالد الغفوري
والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري ولا ذمّت هذا الداعي الغريزي، بل مدحته وندبت إليه، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدلّ على ذلك كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) : {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ } (٢١) وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } (٢٢) وقوله حكاية عن المؤمنين: { رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } (٢٣) إلى غير ذلك من الآيات (٢٤) .
إذن ، فالمراد بقولهتعالى : { وَلِيّاً * يَرِثُنِي } هو الولد بلا شك، وقد عُبِّر عنه واُشير اليه بعنوان ولاية الارث؛ إذ أنّ ولاية الوراثة التي تصلح أن تكون عنواناً معرِّفاً للولد هي ما يختص به من ولاية وراثة التركة.
وأمّا ولاية وراثة النبوة لو جازت تسميتها ولاية وراثة وكذا ولاية وراثة العلم كما يرث التلميذ علم اُستاذه وكذا ولاية وراثة المقامات المعنوية والكرامات الالهية فهذه الولايات أجنبية عن النسب ولا علاقة لها به، فربّما اجتمعت مع الولادة وربّما فارقتها، فلا تصلح أن تجعل معرِّفة ومرآة لها إلا مع قرينة قوية، وليس في الكلام ما يصلح لذلك، وكلّ ما فرض صالحاً له فهو صالح لخلافه، فيكون قد اُهمل في الدعاء ما هو المقصود بالقصد الأول واشتغل بغيره. وهذا ركّة في الكلام واضطراب (٢٥) .
ومن الجدير بالذكر أنّه طبقاً لهذا الاحتمال لا مانع من أن يكون زكريا (عليه السلام) خائفاً من الموالي أن يضيّعوا الدين لكونهم كانوا شراراً وفي الوقت نفسه تكون الآية دالّة على وراثة المال، فلا تقابل بين القولين.
بل يمكن الجمع بينهما؛ باعتبار أنّ الوراثة للمال لم تكن هي المقصود الأول من دعاء زكريا (عليه السلام) ، فقد سأل الله ولياً، وهذا الولي هو الولد، وذكر الوراثة لتعيين الولد.
(٢١) الصافات : ١٠٠ .
(٢٢) إبراهيم : ٣٩ .
(٢٣) الفرقان : ٧٤ .
(٢٤) الطباطبائي، محمّد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ١٤: ١٣ ـ ١٤.
(٢٥) المصدر السابق ١٤:١٥.