فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٢ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث الأنبياء /٢ الشيخ خالد الغفوري
أن توضع النبوة بجلالها الفريد جواباً لسؤال الله تعالى ذرّية طيبة؛ لأنّ النسبة بين الذرّية الانسانية وبين الجديرين بتحمّل أعباء الرسالة السماوية هي النسبة بين الآحاد والملايين. في حين إنّ وراثة المال فيمكن أن تكون جواباً لدعاء زكريا (عليه السلام) ؛ لأنّ الولد يبقى بعد أبيه على الأكثر، فوراثته للمال ممّا يترتّب على وجوده غالباً.
وأضف إلى ذلك أنّ زكريا (عليه السلام) نفسه لم يكن يرى النبوة ملازمة لذريته ـ كإبراهيم (عليه السلام) ـ بل ولا ما دونها من المراتب الروحية؛ ولذا سأل ربّه بعد ذلك بأن يجعل ولده رضياً (١٠) ، وعبّر عنها في سورة آل عمران بالذريّة الطيّبة.
وأمّا بناءً على تقدير كون الجملة صفة فالذي يعيّن إرادة إرث المال أمران :
الأمر الأوّل : إنّ زكريا (عليه السلام) لو كان قد طلب من ربه ولداً وارثاً لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضياً ؛ لأنّه دخل في دعوته الاُولى ما هو أرفع من الرضا .
الأمر الثاني : إنّ إغفال الإرث بالمرّة في قصّة زكريا (عليه السلام) الواردة في سورة آل عمران إن لم يدلّ على أنّ الإرث خارج عن حدود الدعاء ، فهو في الأقلّ يوضح أن معنى الإرث في الموضع القرآني الآخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة ، لأن زكريا (عليه السلام) لو كان قد سأل ربه أمرين : أحدهما أن يكون ولده طيباً رضياً ، والآخر أن يرث نبوته ، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا (عليه السلام) فإنّه ليس شيئاً مذكوراً بالإضافة إلى النبوة .
ولا بأس بتقريب ذلك بالمثال التالي : إذا سألك سائل بستاناً ودرهماً فأعطيته الأمرين معاً ، ثمّ أردت أن تنقل القصة وتخصّ الدرهم بالذكر ، لا أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير التواضع . ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم المادية هو دون امتياز النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية .
(١٠) اُنظر: الصدر، محمّد باقر ، فدك في التاريخ: ١٧٩.