فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٦ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث الأنبياء /٢ الشيخ خالد الغفوري
ولولا أنّ المراد الوراثة المالية وأنّها قرينة معيِّنة لم يبقَ في الكلام ما يدلّ على طلب الولد الذي هو المقصود الأصلي بالدعاء؛ وذلك فإنّ وراثة النبوة أو العلم أو التقوى والكرامة لا إشعار فيها بكون الوارث هو الولد ـ كما اعترف به بعض من حمل الوراثة في الآية على أحد هذه المعاني ـ فيبقى الدعاء خالياً عن الدلالة على المطلوب الأصلي.
التقريب الثاني : وهو مبنيّ على قراءة الفعل في قوله: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } بالجزم على أنّه جواباً للدعاء، بمعنى: إن رزقتني ولداً يرثني ، وليس صفة، فما طلبه زكريا هو الولد، وقد تحقّق ذلك، وأمّا توريثه ـ سواء أكان وارثاً المال أو النبوة أو غيرهما ـ لم يكن داخلاً في جملة ما سأل ربّه، وإنّما كان لازماً لما رجاه في معتقدزكريا (عليه السلام) .
والحاصل: إنّ العناية إنّما هي متعلّقة بإفادة طلب الولد، وأمّا الوراثة المالية فليست مقصودة بالقصد الأول، وإنّما هي قرينة معيِّنة لكون المراد بالولي هو الولد.
نعم ، هي في نفسها تدلّ على أنّه لو كان له ولد لورثه ماله، وليس في ذلك ولا في قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي } ـ وحاله في ذلك حال قوله: { وَلِيّاً * يَرِثُنِي } ـ دلالة على تعلّق قلبه (عليه السلام) بالدنيا الفانية ولا بزخارف حياتها التي هي متاع الغرور.
وأمّا طلب الولد فهو ممّا فطر الله تعالى عليه النوع الانساني سواء في ذلك الصالح والطالح والنبي ومَن دونه، وقد زوّد الجميع بجهاز التوالد والتناسل، وغرز فيهم ما يدعوهم إليه، فالواحد منهم لو لم تنحرف طباعه ينساق إلى طلب الولد ويرى بقاء ولده بعده بقاء لنفسه واستيلاءه على ما كان مستولياً عليه من أمتعة الحياة ـ وهذا هو الإرث ـ استيلاء نفسه.