فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٢ - دور الزمان والمكان في علم الفقه الاُستاذ الشيخ محمّد جواد اللنكراني
فمن الواضح تأثير الظروف الزمانيّة والمكانيّة تأثيراً بالغاً في المسائل العرفانيّة والنفحات القلبيّة والمكاشفات المعنويّة للعارف . والهدف من التنويه بهذا المطلب هو بيان سعة دائرة تأثير الزمان والمكان ، وإلاّ فإنّ ما يرتبط بمجال العرفان يختلف تماماً مع ما في علم الفقه ، كما سنلاحظه لاحقاً في هذه الدراسة .
وينبغي الإشارة إلى أنّه لا دخل لعامل الزمان في العلوم النظريّة الحقيقيّة كالفلسفة والرياضيّات وغيرهما ممّا يقوم على قواعد واُسس عقليّة ، فلا تأثير للظروف والمتغيّرات الزمانيّة فيها . ولكن هذا لا يعني إنكار أن يكون هناك تأثير للزمان وتطوّره في المعادلات الجديدة ، بحيث يمكن أن تتغيّر بعض القواعد الهندسيّة المبتنية على بعض الحقائق الخارجيّة ، ككرويّة أو عدم كرويّة الأرض . نعم لا تأثير لتقدّم الزمان في القواعد الرياضيّة والهندسيّة المبتنية على اُسس عقليّة ومنطقيّة .
وبعبارة اُخرى : أنّه لا تأثير إطلاقاً لبعض الاُمور اللصيقة بالاُمور الاعتباريّة ـ كالعرف ومناسباته والارتكازات العقلائيّة ـ في هذه العلوم .
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة كلّية مفادها تأثّر جميع العلوم الاعتباريّة ـ ومنها الفقه ـ بعنصر الزمان والمكان ، وضآلة تأثيره في العلوم الحقيقيّة أو انعدامه .
ولكن بالرغم من تمتّع علم الفقه ـ كسائر العلوم الاعتباريّة ـ بملاكات معيّنة وتوفّره على موضوع ومبادىء ومسائل خاصّة ، إلاّ أنّا ربّما نجد الفقيه يستبعد مبدئياً تأثير هذا العنصر في علم الفقه ، في حين أنّه لا تجد مثل هذا الاستبعاد في العلوم التجريبيّة . فهل المائز بين علم الفقه وهذه العلوم هو توفّره على مصدر استدلالي متقن كالقرآن الكريم والسنّة الشريفة؟ أو المائز اشتمال الشريعة على القواعد والأحكام التعبديّة؟ أو عدم الإحاطة الكلّية بملاكات الأحكام الشرعيّة؟ وللإجابة على هذه الأسئلة ينبغي :