مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٦٧ - الثامنة ليس للعامل أن يساقي غيره
..........
الأصول مقصود بالذات لمالكها أيضا كالثمرة، فلا يجوز أن يعامل عليها بغير إذنه، لاختلاف الناس في العمل، و تفاوت الأغراض فيه. و يعلم من هذا أنّ البذر لو كان من ربّ الأرض لم يجز للعامل مزارعة غيره. و قد تقدّمت [١] الإشارة إليه.
و ربّما أشكل الحكم فيما لو ظهرت الثمرة و بقي فيها عمل يحصل به زيادة فيها، فإنّ المساقاة حينئذ جائزة، و العامل يصير شريكا فيها، فتسلّطه عليها بالعقد كتسلّط المزارع على الأرض، و كلاهما مقصود بالعرض، و المقصود بالذات هو الثمرة، و هي مملوكة للعامل، لأنّه إذا ساقى حينئذ لا تحصل [٢] الحصّة إلّا ممّا يملكه، إذ ليس له تصرّف في مال المالك، و عمله متعيّن عليه.
فإن قيل: إنّ المعاملة لا تكون إلّا على الأصول كما قد علم، و هي ليست مملوكة له، فلا ينفعه ملك النماء.
قلنا: و كذلك المعاملة في المزارعة إنّما هي على الأرض، و هي ليست مملوكة له، و تسلّطه على البذر كتسلّطه على الثمرة هنا، إذ لا ينتقل منها إلّا ما هو ملكه.
و ربّما قيل بأنّ ملك الأرض ليس بشرط في صحّة المزارعة، بل يكتفي فيها اشتراكهما في باقي الثلاثة التي يحصل بها الزرع، و هي البذر و العمل و العوامل. و على هذا، الفرق سهل، لأنّ متعلّق المساقاة الأصول فيعتبر من مالكها، و متعلّق المزارعة البذر فيعتبر من مالكه خاصّة، إلّا إنّا قد بيّنّا سابقا أنّ ملك الأرض معتبر في صحّتها، بل حقيقتها شرعا ليست إلّا المعاملة عليها على الوجه المذكور، و مع ذلك يقع الإشكال في صورة يكون مالكا للأرض.
و الأجود ما تحصّل من الجواب بأنّ الأرض لا يقصد عملها بالذات، و إنّما يقصد الزرع، فالعبرة فيه بمالك البذر. و في المساقاة يقصد بالعمل الأصول و الثمرة معا كلاهما بالذات، فلا يقع إلّا من مالكه أو من يأذن له.
[١] في ص: ٣٣.
[٢] في «ن» و «ب»: لا يجعل.