المستند في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ٤٠٢
أحدها : أنّ من الواضح جدّاً أنّ العامة لا يرون خصـوصية لتلك الأماكن بل إنّ حكمها حكم غيرها من ثبوت التقصير في الجميع ، وعليه جرت سيرتهم واستقرّ عملهم وإن اختلف رأيهم ونسب إلى كثير منهم التخيير ، أخذاً بظاهر نفي الجناح في الآية المباركة كما ستعرف[١] . ولا ينبغي التأمّل في أ نّهم (عليهم السلام) كانوا يرون الخصوصية ، فكانوا يقصّرون في الطريق قبل الوصول إلى تلك المواضع جزماً .
إذن فلو كان الأمر بالقـصر في هذه الأخبار لبيان الحكم الواقعي للغيت الخصوصية ، ولم يكن ثمة أيّ فرق بينها وبين غيرها من البقاع ، فلا جرم يكون محمـولاً على التقيّة ، بحيث لو لم تكن لديـنا أيّة رواية اُخرى ما عدا هاتين الطائفتين المتعارضتين للزم بمقتضى هذه القرينة القاطعة حمل الأمر بالقصر على التقيّة .
ثانيها : ما تقدّم من الروايات الصحيحة الناطقة بأنّ التمام من الأمر المذخور في علم الله المخزون ، وأ نّه خاصّ بالشيعة ، وبطبيعة الحال يكون الأمر بالقصر على خلاف ذلك ، فيكون للتقية لا محالة ، أي التقيّة في العمل لا في نفس الأمر إذ هي على قسمين : فتارة : يكون الأمر بنفسه للتقية لأجل وجود من يُتّقى منه في مجلس التخاطب ، واُخرى : يؤمر بشيء يكون ذلك الشيء لأجل التقيّة كيلا يعرف الشيعة من غيرهم، فهو في الحقيقة أمر بالتقيّة، أي بواقع التقيّة لا بعنوانها .
والمقـام من هذا القبيل ، فأمروا شـيعتهم بالتقصير لهذه الغاية ، إذ الشيعي المقصّر في الطريق وفي القافلة غيره من المخالفين وهم يرونه بطبيعة الحال، لو أتم عندما بلغ مكّة ـ مثلاً ـ وهم يقصّرون عرفوا تشيّعه بذلك .
ولعلّ هذا هو السر في أنّ جماعة من كبار أصحابهم (عليهم السلام) كصفوان
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] في ص ٤٠٤ ـ ٤٠٥