دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٩٧
ثُمَّ نَادَى: هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ؟ فَأَمْسَكَ النَّاسُ، فَنَادَى الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَى، أَيْنَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ.
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَ كُنْتُ فِي هَمٍ[١] مِنَ الْعِلَّةِ، وَ كَانَتِ الْهِرَاوَةُ بِيَدِي، وَ كُنْتُ أَمِيلُ ضَعْفاً، فَلَمَّا نَادَى بِاسْمِي لَمْ أَجِدْ بَدَا أَنْ نَادَيْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَ جَعَلْتُ أَدِبُّ فَلَمَّا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: يَا حُذَيْفَةُ، هَلْ تَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ؟
قَالَ حُذَيْفَةُ: مَا الْمَسْئُولُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنَ السَّائِلِ.
قَالَ: يَا حُذَيْفَةَ، ادْنُ مِنِّي فَدَنَا حُذَيْفَةُ مِنَ النَّبِيِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ: اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ: فَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِي، فَوَضَعَ النَّبِيُّ يَمِينَهُ بَيْنَ مَنْكِبِي، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ وَضْعَ يَمِينِهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِ النَّبِيِّ فِي صَدْرِي، وَ عَرَفْتُ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ[٢]، وَ ذَهَبَتِ الْعِلَّةُ مِنْ جَسَدِي، وَ رَمَيْتُ بِالْهِرَاوَةِ مِنْ يَدَيِ، وَ أَقْبَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقَالَ: انْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِالْمُنَافِقِينَ رَجُلًا رَجُلًا.
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَلَمْ أَزَلْ أُخْرِجُهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، فَجَمَعْتُهُمْ فِي مَنْزِلِ النَّبِيِّ وَ حَوْلَ[٣] مَنْزِلِهِ، حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ رَجُلٍ وَ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ[٤] يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ[٥] يُقِرُّ بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ.
قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ عَلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَالَ: احْمِلْ هَذِهِ الصَّحْفَةَ إِلَى الْقَوْمِ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَأَتَيْتُ لِأَحْمِلَ الصَّحْفَةَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَاسْتَعَنْتُ بِأَخِي جَعْفَرٍ وَ بِأَخِي عَقِيلٍ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَلَمْ نَزَلَ نَتَكَامَلُ حَوْلَ الْجَفْنَةِ إِلَى أَنْ صِرْنَا أَرْبَعِينَ[٦] رَجُلًا فَلَمْ نَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَ النَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَ يَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ
[١] في« ط»: ضعف.
[٢] المشهور عند الفريقين أن حذيفة بن اليمان صاحب سر النّبيّ( صلّى اللّه عليه و آله)، و المراد بالسّرّ ما أعلمه من أحوال المنافقين، انظر صحيح البخاريّ ٥: ٩٩/ ٢٣١، سير أعلام النبلاء ٢: ٣٦١.
[٣] في« ط»: أزل أدعوهم و أخرجهم من بيوتهم و أجمعهم حول.
[٤] في« ط»: من.
[٥] في« ع، م»: و لا.
[٦] في« ط»: لأحملها فلم أطق فاستعنت بأخي عقيل فلم نقدر، فتكامل معي اربعون.