دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٤٩٢
الْأَشْرَافِ، كَتَبَهُ بِلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وَ لَفْظٍ رُومِيٍّ، وَ وَصَفَ فِيهِ نُبْلَهُ وَ كَرَمَهُ وَ وَفَاءَهُ وَ سَخَاءَهُ، فَنَاوِلْهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَ رَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ.
قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ: فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَانَا أَبُو الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي أَمْرِ الْجَارِيَةِ. فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى الْكِتَابِ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً، وَ قَالَتْ لِعَمْرِو بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ: بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْكِتَابِ. وَ حَلَفَتْ بِالْمُحَرِّجَةِ الْمُغَلَّظَةِ[١] إِنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا. فَمَا زِلْتُ أُشَاحُّهُ[٢] فِي ثَمَنِهَا حَتَّى اسْتَقَرَّ الثَّمَنُ عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ أَصْحَبَنِي مَوْلَايَ أَبُو الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنَ الدَّنَانِيرِ فِي السَّبِيكَةِ الصَّفْرَاءِ، فَاسْتَوْفَاهُ مِنِّي وَ تَسَلَّمْتُ مِنْهُ الْجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وَ انْصَرَفْتُ بِهَا إِلَى حُجْرَتِي الَّتِي كُنْتُ آوِي إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ، فَمَا أَخَذَهَا الْقَرَارُ حَتَّى أَخْرَجَتْ كِتَابَ مَوْلَانَا أَبِي الْحَسَنِ مِنْ كُمِّهَا وَ هِيَ تَلْثِمُهُ، وَ تَضَعُهُ عَلَى خَدِّهَا، وَ تُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وَ تَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا، فَقُلْتُ مُتَعَجِّباً مِنْهَا: أَ تَلْثِمِينَ كِتَاباً لَا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ؟!
فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْعَاجِزُ، الضَّعِيفُ الْمَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ، أَعِرْنِي سَمْعَكَ، وَ فَرِّغْ لِي قَلْبَكَ، أَنَا مَلِيكَةُ بِنْتُ يَسُوعَا بْنِ قَيْصَرَ مَلَكِ الرُّومِ، وَ أُمِّي[٣] مِنْ وُلْدِ الْحَوَارِيِّينَ، وَ نَسَبِي مُتَّصِلٌ إِلَى وَصِيِّ الْمَسِيحِ شَمْعُونَ.
أُنْبِئُكَ بِالْعَجَبِ أَنَّ جَدِّي قَيْصَرَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ، وَ أَنَا مِنْ بَنَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَجَمَعَ فِي قَصْرِهِ مِنْ نَسْلِ الْحَوَارِيِّينَ، مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَ الرُّهْبَانِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَ مِنْ ذَوِي الْأَخْطَارِ مِنْهُمْ تِسْعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَ جَمَعَ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَ قُوَّادِ الْعَسَاكِرِ، وَ نُقَبَاءِ الْجُيُوشِ، وَ مُلُوكِ الْعَشَائِرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَ أَبْرَزَ مِنْ بَهِيِ[٤] مِلْكِهِ كُرْسِيّاً مُرَصَّعاً مِنْ أَصْنَافِ الْجَوَاهِرِ، إِلَى صَحْنِ الْقَصْرِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ مِرْقَاةٍ. فَلَمَّا صَعِدَ ابْنُ أَخِيهِ وَ أَحْدَقَتْ بِهِ الصُّلْبَانُ، وَ قَامَتِ الْأَسَاقِفَةُ خَلْفَهُ، وَ نُشِرَتْ أَسْفَارُ الْإِنْجِيلِ، تَسَاقَطَتِ الصُّلْبَانُ مِنْ
[١] المحرجة من الأيمان: الّتي لا مخرج منها، و المغلّظة: المؤكّدة.
[٢] في« م، ط»: اشاحنه.
[٣] في« ع، م»: و أبي.
[٤] في« ع، م»: بهر.