دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٣
فداك، ممّن المعصية؟ فنظر إليّ ثمّ قال: اجلس حتّى أخبرك. فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربّه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من اللّه (تعالى) فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده و يأخذه بما لم يفعله.
و إن كانت منهما فهو شريكه، و القويّ أولى بإنصاف عبده الضعيف.
و إن كانت من العبد فعليه وقع الأمر، و إليه توجّه النهي، و له حقّ الثواب و العقاب، و وجبت الجنّة و النار.
قال أبو حنيفة: فلمّا سمعت ذلك قلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[١]. و قد نظم كلامه (عليه السلام) هذا شعرا، فقيل:
|
لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ لها |
إحدى ثلاث خلال حين نأتيها |
|
|
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها |
فيسقط اللوم عنّا حين ننشيها |
|
|
أو كان يشركنا فيها فيلحقه |
ما سوف يلحقنا من لائم فيها |
|
|
أو لم يكن لإلهي في جنايتها |
ذنب، فما الذنب إلّا ذنب جانيها |
|
|
سيعلمون إذا الميزان شال بهم |
أهم جنوها، أم الرحمن جانيها؟[٢] |
|
و هكذا كانوا (عليهم السلام)، لم يعرف عن أحدهم أنّه تلكّأ يوما في مسألة، أو أفحمه أحد في حجّة، بل كان سبقهم نوعا من الإعجاز، و أظهر ما يكون ذلك مع الإمام محمّد الجواد الذي أوتي العلم و الحكمة صبيّا، و سبق علماء عصره و متكلّميهم و شهدوا له بالفضل و التقدّم و العلوّ و تأدّبوا في مجلسه و لم يبلغ التاسعة من العمر.
قال الشيخ المفيد: عن المعلّى بن محمد، قال: خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه، فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا، فقعد، ثمّ قال: يا معلّى، إنّ اللّه (تعالى) احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة، فقال: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا[٣].
[١] أمالي المرتضى ١: ١٥١- ١٥٢، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ٤: ٣١٤، بحار الأنوار ٤٨: ١٠٦، و الآية من سورة آل عمران ٣: ٣٤.
[٢] أمالي المرتضى ١: ١٥٢.
[٣] الإرشاد: ٣٢٥، إعلام الورى: ٣٤٩- ٣٥٠، و الآية من سورة مريم ١٩: ١٢.