موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٦٧ - نموذج من عمق تبحره في الفقه و العلم و مدى غوره
الجواد، و كان يحيي طويل الباع في الفقه و ما يمكن ان يتوصل اليه التشريع من التصور و مدى الاحكام، و امر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست و يجعل له فيه مسورتان [١] ، ففعلوا ذلك، و خرج ابو جعفر، و قد بالغ اصحاب الرواية و الاخبار في صغر سنه في هذا الوقت و هو أمر يناقض بلوغه المرحلة التي تؤهله للزواج-و الواقع انه كان شابا، و جلس بين المسورتين، و جلس يحيي بن أكثم بين يديه، و قام الناس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متصل بدست ابي جعفر، فقال قائل القوم:
-يا امير المؤمنين، هذا القاضي إن أذنت له ان يسأل أبا جعفر.
فأقبل يحيي بن أكثم و قال للجواد: أتأذن لي في مسألة؟
قال أبو جعفر: سل إن شئت...
قال يحيي: ما تقول يا أبا جعفر اصلحك اللّه في مجرم قتل صيدا؟
قال ابو جعفر: أقتله في حل او حرم؟عالما كان المحرم ام جاهلا؟
قتله عمدا ام خطأ؟حرّا كان المحرم ام عبدا؟صغيرا كان ام كبيرا؟مبتدئا بالقتل ام معيدا؟أمن ذوات الطير كان الصيد ام من غيره؟و من صغار الصيد كان ام من كباره؟مصرا على ما فعل او نادما؟افي الليل كان قتله للصيد في اوكارها ام نهارا و عيانا؟محرما كان بالعمرة اذ قتله او بالحج كان محرما؟
و لقد دلت هذه الأسئلة على مبلغ تنوع الاحكام و مدى احاطة الجواد و تغلغله في التشريع، و قد تحدث مؤرخو هذا الخبر عن حيرة القاضي و ذهوله حتى لقد بان العجز على وجهه و التلجلج على لسانه و ارفض الجمع ذاهلين.
و لقد سأل المأمون بعد ذلك ابا جعفر ان يفصل له الوجوه الشرعية فيما ذكر، فقال ابو جعفر:
[١] الدست، هو المجلس و الوسادة، و المسورة هي المتكامن الجلد.