معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢١٣ - إقامة العزاء خارج المدينة
فقلت: أنا بشير بن جذلم، وجّهني علي بن الحسين و هو نازل في موضع كذا و كذا مع عيال أبي عبد اللّه و نسائه، قال: فتركوني مكاني و بادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق و المواضع فنزلت عن فرسي و تخطّيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط، و كان علي بن الحسين داخلا فخرج و بيده خرقة يمسح بها دموعه و خادم معه كرسيّ فوضعه و جلس و هو مغلوب على لوعته، فعزّاه الناس فأومأ إليهم أن اسكتوا فسكنت فورتهم فقال: الحمد للّه ربّ العالمين مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعد فارتفع في السموات العلى و قرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الامور و فجائع الدهور، و جليل الرزء و عظيم المصائب. أيّها القوم انّ اللّه و له الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة، و ثلمة في الاسلام عظيمة، قتل أبو عبد اللّه و عترته، و سبي نساؤه و صبيته، و داروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، أيّها الناس فأيّ رجالات يسرّون بعد قتله؟أيّة عين تحبس دمعها و تضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، و بكت البحار و السموات و الأرض و الأشجار و الحيتان، و الملائكة المقرّبون و أهل السموات أجمعون. أيّها الناس أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام فلا يصمّ؟ أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشردين، مذوّدين شاسعين، كأنّا أولاد ترك أو كابل، من غير جرم اجترمناه، و لا مكروه ارتكبناه، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ان هذا إلاّ اختلاق، و اللّه لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوه، فانّا للّه و إنّا إليه راجعون.
فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان و كان زمينا فاعتذر إليه فقبل