معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٣٨٧ - حكمة الإمام (ع) في كيفيّة قيامه
المعتمرون أولا ثم الوافدون لحجّ بيت اللّه الحرام من كلّ فجّ عميق، و هو يروي لهم عن جدّه الرسول (ص) عن اللّه ما يخوّفهم معصيته، و يحذّرهم عذابه في يوم القيامة، و يدعوهم إلى تقوى اللّه و طلب مراضيه، و ينبّههم إلى خطر الخلافة القائمة على الإسلام، فيسمعون منه ما لم يسمعوه من غيره في ذلك العصر، و بقي هكذا حتّى أقبل يوم التروية، و أحرم الحاجّ للحجّ، و اتّجهوا إلى عرفات ملبّين.
في هذا الوقت خالف الإمام الحجيج و أحلّ من إحرامه و خرج من الحرم قائلا أخشى أن تغتالني عصبة الخلافة لانّي لم أبايع فتهتك بي حرمة الحرم، و لأن أقتل خارجا منه بشبر أحبّ إليّ من أقتل داخلا بشبر. إنّ الإمام لم يقل عندئذ أذهب إلى العراق لألي الحكم؛ بل قال: أذهب لاقتل خارجا من الحرم بشبر.
و يعود الحجيج إلى مواطنهم و يبلغ معهم خبر الإمام الحسين إلى منتهى الخفّ و الحافر، يبلغ خبره إلى أيّ صقع من أصقاع الأرض يمرّ به ركب الحجيج الذي يحمل معه إلى المسلمين في كلّ مكان النبأ العظيم، نبأ خروج سبط نبيّهم على الخلافة القائمة و دعوته المسلمين إلى القيام المسلّح ضدّ الخلافة لأنّه يرى الخليفة قد انحرف عن الإسلام و يرى الخطر محدقا بالإسلام مع استمرار هذا الحكم، فيتعطّش المسلمون في كل مكان لمعرفة مآل هذه المعركة، معركة أهل بيت الرسول مع عصبة الخلافة، و يتنسّمون أخبارها فيبلغهم أنّ الحسين (ع) خرج لا يلويه شيء، و لا يثني عزمه تحذير المحذّرين، و لا تخذيل المخذّلين، لا يلويه قول عبد اللّه بن عمر: استودعك اللّه من قتيل، و لا قول الفرزدق: قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أميّة، و لا كتاب عمرة و حديثها عن عائشة عن رسول اللّه أنّه يقتل بأرض بابل، هكذا تبلغهم أخبار الإمام خبرا بعد خبر، و يمضي الحسين (ع) متريثا متمهلا لا يخفي من أمره