دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٨٧ - الطلب و الإرادة
و بالجملة: الذي يتكفّله الدليل، ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقية، و الطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما. و هو ممّا لا محيص عن الالتزام به، كما عرفت، و لكنه لا يضرّ بدعوى الاتحاد أصلا، لمكان هذه المغايرة و الانفكاك بين الطلب الحقيقي و الإنشائي، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه يمكن- مما حققناه- أن يقع الصلح بين الطرفين، و لم يكن نزاع في البين، بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوما و وجودا حقيقيا و إنشائيا، و يكون المراد بالمغايرة و الاثنينية هو اثنينية الإنشائي من الطلب، كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه، و الحقيقي من الإرادة، كما هو المراد غالبا منها حين إطلاقها، فيرجع النزاع لفظيا، فافهم.
يكون غرض المولى من أمره عصيان العبد، ليعتذر عن توبيخه و عقابه على مخالفته- ففي موردهما يجد الآمر من نفسه حقيقة أمره و طلبه، مع أنّه لا يريد فعله، و هذا شاهد لكون الطلب غير الإرادة كما استدلّ على ثبوت الكلام النفسي بثبوت المدلول في مقامات الاخبار كذبا أو تردّدا [١].
و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه كما لا إرادة في موارد الاختبار و الاعتذار، كذلك لا طلب حقيقيّ في مواردهما، بل الموجود الطلب الإنشائي، و قد يعبّر عنه بالإرادة الإنشائية، و إنّما الاختلاف بين الإرادة و الطلب، كما تقدّم في المعنى المنصرف إليه منهما.
و ذكر (قدّس سرّه) أنّه يمكن أن يقع التصالح بين الطرفين و يرتفع النزاع في البين بأن يكون مراد الأشعري من المغايرة مغايرة الطلب الإنشائي مع الإرادة الحقيقية، و مراد معظم
[١] شرح تجريد الاعتقاد للقوشجي: ص ٢٤٦.